توقعات واحتمالات

امريكا في مواجهة ذاتها والعالم ؟

د. عصام نعمان

 

       بعد ستة وعشرين يوما على زلزال نيويورك وواشنطن ، بدأت حرب امريكا على الارهاب . انها حرب طويلة باعتراف قائدها جورج دبليو بوش . لذا فهو لا يعرف متى تنتهي . قد تستغرق كل سنّي ولايته او ما تبقّى منها ، وقد تتطلب سنوات اكثر . فهي حرب غير تقليدية وجديدة في موضوعها واسلوبها وربما في لاعبيها ايضا.

 

       يصعب التقدير اليوم كيف ينظر بوش نفسه الى مسألة مدتها . هل تكون مصلحته في ان يجعلها تطول الى ما بعد العام 2004 كي يقول للامريكيين في معرض دعوتهم لتجديد ولايته : " امنحوني فرصة جديدة لاكمل مهمتي " . ام تراه يستعجل نهايتها – خاصة اذا كانت نتائجها مؤاتية – كي يترسمل عليها في حملته الانتخابية ؟

 

       يصعب التقدير فعلاً لأن احداً من اللاعبين لا يستطيع التحكم بظروفها المتطورة .

 

       في الماضي كانت كفة العوامل الموضوعية تطغى على العوامل الذاتية في تقرير نتيجة الحرب . والعوامل الموضوعية المقصودة هي الموارد البشرية والطبيعية والصناعية ، والمصالح الاقتصادية ، وموازين القوى السياسية والعسكرية.

 

       في الحاضر والمستقبل المنظور ستكون للعوامل الذاتية الكفة الراجحة او المؤثرة . والعوامل الذاتية المقصودة هي العقيدة والارادة والاستعداد الكامل للتضحية بالذات من اجل بلوغ الاهداف المنشودة .

 

       الارجحية ، وربما الغلبة ، ستكون للذاتي على الموضوعي في حروب الارهاب والجهاد المنظورة . اذْ مَن يستطيع ، في نهاية المطاف ، ان يمنع انسانا يريد ان يموت من ان يفـعل ذلك بطريقة ينتفي معها كل حساب للسلامة الشخصية ؟

 

       تعطيل العمليات الاستشهادية او الانتحارية ممكن في تقدير القادة الامنيين والعسكريين الامريكيين . ذلك يتطلب جملـة ترتيبات ابرزها حرمان " العدو " القيادة المخططة ، ومنعه من اعداد العناصر التنفيذية اللازمة ، والتحكم بظروف المواجهة على نحوٍ يمنـع العناصر التنفيذية ( الاستشهادية او الفدائية ) من الحركة ، اي من الوصول الىاهدافها المحددة .

 

       غير ان ذلك كله يتطلب ، بادىء الامر ، حرمان " العدو " الموارد المالية لأن المال ، كما كان يقول نابوليون ، يصنع كل شيء . لهذا السبب حرصت ادارة بوش ، في تخطيطها لمواجهة اعدائها ، على حرمانهم الموارد المالية . ولعل ذروة تدابيرها الصارمة في هذا المجال استصدارها القرار الرقم 1373 من مجلس الامن الدولي بتاريخ 29/9/2001 . فهو يمكّنها من وضع يدها على النظام المصرفي العالمي وتوجيهه في عملية تحري حسابات الجماعات الارهابية وغير الارهابية وتدقيقها وتجميدها ومحاسبة الدول التي تمتنع عن قطع كل دعم مادي او لوجستي عمّن ستقرر امريكا ، وحدها ، انه ارهابي او انها شبكات ارهابية.

 

       حرمان الاعداء من المال هو الميدان الاساسي في حرب امريكا الطويلة. فهي حرب طويلة ، اذاً ، لأن الجوانب المالية في حركة الشبكات الارهابية كثيرة ومتكاثرة ومعقدة وذات طابع يومي على نطاق واسع الامر الذي يجعل من مسألة حصرها وضبطها وتدقيقها والسيطرة عليها عملية معقدة ومديدة . هذا مع العلم ان الشبكات الارهابية ستحاول مواجهة هذا التحدي الجديد باساليب جديدة ، ما يعقد بدوره خطط الحرب المعلنة عليها ، وربما يؤدي الى تمديد الصراع في نطاق الزمان والمكان .

***

       من مجمل ما رشح ، حتى الآن ، من خطط ومناهج وآليات وتدابير وضعتها الولايات المتحدة قيد التنفيذ في حربها الطويلة علىالارهاب ، تبرز خمس ظاهرات بازغة ومتوقعة .

 

       الظاهرة الاولى ، عولمة الارهاب ( والجهاد ) بصرف النظر عما اذا كان الموضوع ارهابا حقيقيا اومقاومة مشروعة لعدوٍ غازٍ او لاحتلال اجنبي . الارهاب ( والجهاد ) لن يكون بعد اليوم ظاهرة محلية او حتى اقليمية بل سيكون ظاهرة عالمية . قد يكون الموضوع المستهدف محليا او اقليميا ، لكن التنظيم والحركة اللازمين للاعداد  والتنفيذ سيكونان عالميين . أليس هذا ما كشفته نتائج التحقيقات الاولية المجراة في شأن تفجيرات نيويورك وواشنطن ؟

 

       ثم ان الارهاب ، تخطيطاً وتنظيما وتنفيذاً ، محكوم عليه بان يكون معولما لأن عدوه الرئيس ، الولايات المتحدة ، هو رائد العولمة ولاعبها الاكثر فعالية في التاريخ المعاصر.

 

       الظاهرة الثانية ، عولمة الامن المقاوم للارهاب . فالولايات المتحدة ، رغم انها نظام كوني بمعايير شتى ، وجدت انها لا تستطيع مواجهة اعدائها من اهل الارهاب الحقيقي اوالمقاومة المشروعة الاّ ببناء ائتلاف دولي عريض القاعدة . اكثر من ذلك : طرحت امريكا على دول العالم خيارين لا ثالث لهما . فمن لا يكون معها في حربها يكون تلقائيا مع الارهاب . انها دعوة استفزازية سافرة الى قسمة العالم الى معسكرين ، معسكر الخير المعقودة رايته لقيادتها الامبراطورية ، ومعسكر الشر اياً كان قائده واعضاؤه . والمفارقة اللافتة ان اسامة بن لادن فعل الشيء نفسه في الرد عليها ، اذ  قسم العالم بين دار الاسلام ودار الكفر.

 

       ثم انه يتعين على الدولة التي تختار خط امريكا وسياستها وتصطف وراءها ان تتقبل بكل طيبة خاطر مفهومها للارهاب وتصنيفها للارهابيين ، وان تلتزم تنفيذ التعليمات التي تصدرها في هذا الخصوص ، او ان تطبق النصوص والقرارات الصادرة عن مجلس الامن الدولي بتوجيه منها وتحت رقابتها الصارمة.

      

هذا النهج في ادارة الحرب ، بل في ادارة شؤون العالم ، لن يروق لحلفاء امريكا ومنافسيها ، ولن يطول الوقت قبل ان يبدأ هؤلاء جميعا بالجهر بانتقاداتهم وسخطهم ومعارضتهم لسياستها التسلطية .

 

بعض الخبراء الاستراتيجيين يذهبون أبعد من ذلك في توقعاتهم فيشيرون الى امكانية تفعيل حركة الانتقال – بسبب سلوكية امريكا الفظة - من القطبية الاحادية الراهنـة الى القطبية التعددية المرتجاة . بذلك تكتمل الظاهرة الثالثة : التعددية القطبية التي كانت سائدة قبل انهيار الاتحاد السوفياتي . وهي ظاهرة صحّية لانها تحول دون قيام هيمنة لاي من الدول الاقطاب .

 

       الظاهرة الرابعة ، تقليص دور التفوق العسكري الامريكي في المستقبل المنظور. ذلك ان شبكات الارهاب المعاصرة تمكنت ، خاصة في تفجيرات  11 ايلول/ سبتمبر الماضي ، من تحييد اسلحة الدمار الشامل التقليدية كالقنبلة النووية والصواريخ عابرة القارات باعتماد تقنيات واسلحة مغايرة شديدة الفعالية . ففي نيويورك ، كما في واشنطن ، تبيّن ان في مقدور  الارهابيين  تحويل طائرات مدنية بمخزون كبير من البنزين اسلحةَ تدمير بالغة الفعالية والتأثير المادي والمعنوي . كذلك اصبح في امكان  الارهابيين  ، على ما يبدو ، صنع واستخدام اسلحة بيولوجية وكيماوية لها قدرة تدميرية هائلة . كل ذلك يخفّض مكانة امريكا ويحدّ من مفاعيل تفوقها العسكري والتكنولوجي ويضعف دورها السياسي في مجتمع الامم ازاء " منافسين " فاعلين من الشبكات الارهابية والجهادية .

 

       الظاهرة الخامسة ، ارتداد الولايات المتحدة على ذاتها ، في ميدان الحماية والوقاية ، على نحوٍ ادى الى تشويه ، وربما الى تغيير ، نمط حياتها الذي طالما اعتزت به وحرصت عليه . لقد اتخذت ادارة بوش في الآونة الاخيرة من تدابير المراقبة والتفتيش  والحماية والتنصت على المكالمات الهاتفية وتدقيق الحسابات المصرفية وما الى ذلك من الاجراءات التي تحدّ من الحرية الشخصية ما شّوه نمط الحياة الذي كان للامريكيين مصدر سعادة واعتزاز ، وانحدر به الى مستوى الانماط الادنى جودة ومكانة السائدة في انحاء اخرى من العالم . هذا الى جانب تفشي نزعات التمييز العنصري ضد العرب والمسلمين والآسيويين والملونين الامر الذي قضى او كـاد على فخر الولايات المتحدة التاريخي كمصهر Melting Pot لاعراق واجناس وأثنيات متعددة .

 

***

 

       حيال هذه التوقعات والاحتمالات ، ماذا ترانا فاعلين ، عرباً ومسلمين ؟

 

       بات واضحا من تصريحات المسؤولين الامريكيين ، قبل بدء العمليات العسكرية ضد افغانستان وبعدها ، ومن حشود اساطيل البحر والجو ومشاة البحرية والقوات البرية الخاصة ، ان مخططات امريكا في حربها على الارهاب تتجاوز اسامة بن لادن وحركة طلبان . وبالفعل ، قرنت واشنطن القول بالفعل اذ اخطرت مجلس الامن الدولي بانها " قد تتناول بعملياتها العسكرية منظمات ارهابية اخرى ودول اخرى ايضاً." كما ان اتساع دائرة النقاش بين المسؤولين والخبراء الاستراتيجيين في مراكز الابحاث وكتاب الاعمدة في الصحف الرئيسة عزز الانطباع العام بان واشنطن في طريقها الى توسيع دائرة الاشتباك بدءا بالعراق .

 

       الحقيقة ان الولايات المتحدة ما كانت لتلوّح بخيار ضرب العراق وسوريا وايران لولا ضعف ردود الفعل العربية خاصة والاسلامية عامة حيال ما فعلته بافغانستان . غير ان تحليلا متأنيا لموقف واشنطن يحملنا على الاعتقاد بان ضرب العراق سيبقى خيارا امريكيا قائما لاغراض متعددة للمدى المتوسط ، لكن ليس للمدى القصير . ذلك ان ما تبتغيه الولايات المتحدة في المدى القصير هو ارهاب دول الطوق العربية ، بمعنى اخافتها وابتزازها ، لتندرج بصورة اوسع وافعل في " الائتلاف الدولي لمقاومة الارهاب " والتعاون مع واشنطن في تنفيذ متطلباته في جميع الميادين ، لا سيما في ميداني الاستخبار الامني والاستقصاء المالي ، مع الانفتاح السياسي اللازم من اجل معاودة البحث في تسويات سلمية لبعض القضايا العالقة كقضية فلسطين .

 

       اما بالنسبة للعراق فان الغرض من وراء التلويح بضربه في بدء المرحلة الثانية من الحرب هو ابتزازه للحؤول دون قيامه بتحريك قواته مجدداً لاستعادة سيطرته على مناطق  الشمال الكردية . وليس من المستبعد ان تقوم الولايات المتحدة بضرب العراق من اجل وضع الدول المجاورة المتعاونة معه في الوقت الحاضر – سوريا والاردن وتركيا – امام امر واقع واكراهها على التعاون مع واشنطن في فرض سياسة " العقوبات الذكية " عليه .

 

       ان مواجهة سياسة امريكا الهجومية لا تكون بمجاملتها والرضوخ لمتطلباتها والاندراج في مخططاتها بل بتحقيق اقصى درجات التضامن العربي – والاسلامي اذا امكن – ورسم خطوط حمر لها على مرأى من الشعوب ومسمعها . وليس افضل للرد على الابتزاز والتهديد من ممارسة ضغط وتهديد مماثلين كأن تعلن الدول العربية جميعا ، لا سيما مصر والسعودية وسوريا ، رفضها القاطع لقيام امريكا بضرب اي بلد عربي تحت طائلة ليس الوقوف الى جانب الدولة المعتدى عليها ودعمها بكل الوسائل المتاحة فحسب بل بكسر القيود ايضا التي تمنع مشاركة الشعوب العربية والاسلامية في حروب الجهاد القائمة والتي ستقوم ضد الاستعمار الامريكي الجديد.

 

       ان ممانعة الحكومات العربية وقبضاتها الحديدية هي التي ضمنت ، لغاية الآن ، لجم الشعوب عن المشاركة الفعلية في حروب الجهاد . لذا فان اصرار الولايات المتحدة على تحميل العرب والمسلمين مسؤولية ما جنته امريكا على نفسها بسبب سياساتها الظالمة وانحيازها الاعمى للكيان الصهيوني يستوجب رداً جديا ومؤثرا ليس اقله اطلاق يد الشعوب في الثأر لكرامتها والدفاع عن حقوقها ومصالحها والتصدي بكل الوسائل المتاحة لاعدائها التاريخيين.

 

       وحده موقف جاد وجدي كهذا يردع الولايات المتحدة عن التفكير بممارسة سياسة الاستهانة بالعرب والمسلمين واستباحة حقوقهم ومصالحهم والامعان في تسليط " اسرائيل " وتلزيمها قضايا حاضرهم ومستقبلهم .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      (*) نشر هذا المقال في جريدة " الخليج " ، الامارات العربية المتحدة ، بتاريخ 13/10/2001