لبنان
في أزمة . الحقيقة انه كان دائما في أزمة منذ نشأته في العام 1920 بقرار من المفوض
السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو ، الى ما بعد تحرير جنوبه من الاحتلال الاسرائيلي
العام 2000 بفضل المقاومة الباسلة في عهد الجنرال اميل لحود .
أزمة لبنان هي ، في آن ، أزمة نشأة وكينونة ومصير . ذلـــك
ان اعـلان " دولة لبنان الكبير "
بضم بعض المناطق التي كانت تابعة لولاية دمشق اليها اثار نقمة السياسيين الوطنيين السوريين
اكثر من عشرين عاماً.
من مفارقات الكينونة اللبنانية المتعثرة ان
الذين عارضوا قيام كيان لبناني مستقل عن سوريا هم انفسهم الذين شرّعوا استقلاله .
فقد وافقت الحكومة السورية برئاسة لطفي الحفار ، زعيم حزب " الكتلة
الوطنيــــة " ( داعية استقلال سوريا الكبرى ) على مشروع معاهدة مع فرنسا في
العام 1936 تخلت بموجبها عن المناطق السورية التي جرى ضمها الى " لبنان
الكبير" ، وبالتالي اخرجت لبنان كله من سوريا ، معترفةً ضمنا بحدوده الراهنة
.
الواقع ان كيان لبنان الوليد ، شأنه شأن
كيانات سوريا وفلسطين والاردن والعراق ، جاء نتيجة عملية " بلقنة "
مبرمجة لبلاد الشام وبلاد الرافدين على اساس معاهـدة " سايكس بيكو "
البريطانية الفرنسية للعام 1916. فهي ، اذاً ، كيانات غير معترف بها من قبل
القوميين العرب الوحدويين او الاتحاديين وإن كانت اكتسبت شرعية لاحقة بموافقة
الشعب الضمنية في كل منها على قيامها والعمل من خلال مؤسساتها وأنظمتها.
غير ان سوريا ما عتّمت ان عادت الى لبنان
في العام 1976 ، وانتشر جيشها في معظم مناطقه . حدث ذلك في أعقاب الحرب التي نشبت
، بتحريض سياسي ودعم لوجستي من " اسرائيل " ، بين قوى سياسية لبنانية
مؤيدة للمنظمات الفلسطينية الناشطة في جنوب لبنان
وضواحي بيروت العاصمة ، وقوى سياسية لبنانية اخرى معادية للفلسطينيين .
وازاء تعاظم المخاوف من استغلال اسرائيل للاضطرابات الامنية المتفاقمة وامكانية
اجتياحها الشطر الجنوبي من لبنان لتحقيق مطامعها التوسعية ، وتفاديا لشرور الحرب
الاهلية الطائفية المتفاقمة ، دخلت سوريا بقواتها الى لبنان لفك الاشتباك بين
القوى المتحاربة ، واستحصلت من مؤتمر القمة العربي في القاهرة ( تشرين الاول /
اكتوبر1976) على قرار باجازة تدخلها في اطار قوة ردع عربية عمادها القوات السورية
لتثبيت الامن والنظام ومساعدة الحكومة اللبنانية على بسط سلطتها .
عارضت
" اسرائيل " الحل العربي للازمة اللبنانية ، وما لبثت ان اجتاحت لبنان
في العام 1982 لطرد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية الناشطة في اراضيه . وبعد
انسحاب قوات " اسرائيل " في العام التالي ، تحت وطأة المقاومة اللبنانية
، الى شريط على طول حدودها مع لبنان ، تجدد النزاع بين القوى السياسية اللبنانية
المعادية لـِ " اسرائيل " والقوى التي تعاونت معها في خلال فترة
الاجتياح . وفي العام 1989 تمكن النواب اللبنانيون المجتمعون في مدينة الطـائف
السعودية ، برعاية عربية ، من التوصل الى وثيقة وفاق وطني لاعادة بناء الدولة ،
وبسط سلطتها على جميع المناطق ، واجراء اصلاحات سياسية ، وتنظيم انتشار القوات
السورية في لبنان .
لم يحظَ " اتفاق الطائف " برضى
جميع الاوساط السياسية اللبنانية ، بل ان القوى المعارضة للوجود السوري في لبنان
انتهزت مناسبة اندحار القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان تحت وطأة ضربات المقاومة
لتجدد مطالبتها باعادة نشر القوات السورية وفق بنود " اتفاق الطائف " .
ومارست ادارة الرئيس الامريكي بيــل
كلنتون آنذاك ضغطاً غير مباشر على حكومتي لبنـان وسوريا للغرض ذاته بعد رحيل الرئيس حافظ الاسد وتسلّم نجله الدكتور بشار
مقاليد الرئاسة .
فوجئت
سوريا باتساع حملة المطالبة بسحب قواتها من لبنان في وقت كان رئيسها الشاب منهمكاً
في توطيد دعائم حكمه . ولتنفيس الحملة
المتصاعدة واحتوائها ، اعتمدت الاجهزة الامنية النافذة في لبنان سياسة جديدة في
الانتخابات النيابية المقرر اجراؤها صيف العام 2000 قضت بالانفتاح على الفريق
المسيحي المعتدل في مناهضته الوجود السوري ، والانحياز الى فريق صديقها اللدود
رفيق الحريري وحلفائه ودعمهم ضمناً في مختلف الدوائر . في هذا الاطار ، سمح للرئيس
السابق امين الجميل بالعودة الى البلاد من منفاه الباريسي ، وجرى طبخ تحالفات
انتخابية ادت الى فوز الفريق المسيحي المعتدل باكثر من عشرة مقاعد نيابية في دوائر
محافظة جبل لبنان ، والحريري وحلفائـه
باكثر من ثلاثين مقعداً في دوائر متعددة ، كما ادت الى اسقاط معظم المرشحين من
منافسيه على رئاسة الحكومة !
×××
ألف الحريري ، بعد الانتخابات ، حكومة فضفاضة من
ثلاثين وزيراً، ركزت برنامجها على معالجة الازمة المالية والاقتصادية المتمثلة
بتعاظم الدين العــــام ( ثلاثون مليار / بليون دولار ) وازدياد عجز الميزانية وتفاقم الضائقة المعيشية
. ورغم ان الحريري ورث عن حكوماته السابقة (1992 – 1998 ) معظم المشاكل التي تعاني
منها البلاد في الوقت الحاضر ، الاّ ان جذور الازمة تعود الىالحرب التي عصفت بها
من 1976 لغاية 1991 . وهي أزمة سياسية بالدرجة الاولى انعكست ، بطبيعة الحال ، على
الوضع الاقتصادي وادت تراكماتها الى تأزيمه وإضعافه .
لعل منشأ الازمة
السياسية يثوي في حقيقة تاريخية دمغت تاريخ لبنان السياسي بميسمها وما زالت .
فلبنان ليس دولة بالتعريف الدستوري الكلاسيكي انما هو نظام سياسي لفدرالية طوائف ،
وساحة وسوق وسبيل ( معبر ) الى الداخل العربي شرقا والى الغرب الاوروبي بحراً .
الدولة ، تعريفا ، هي
كيان قانوني ينطوي على شعب ، يعيش في صورة دائمة في رقعة محددة من الارض ( اقليم ) تدير
شؤونه وتنظم علاقاته حكومة سيدة من خلال مؤسسات سياسية وادارية
واقتصادية واجتماعية ، وتتمتع بقوة رادعة لفرض النظام في المجتمع ولحمايته
من الاخطار الخارجية .
مواصفات الدولة هذه غير
متوافرة في لبنان . ذلك ان الشبكة السياسية المتسلطة المكونة من متزعمي الطوائف ،
والمتمولين الكبار ، وامراء الحرب ، وآمري الاجهزة الامنية حالت باستمرار دون
تطوير نظام فدرالية الطوائف الى دولة قانون ومؤسسات . من هنا يصح القول ان النظام
السياسي في لبنان هو ، في الواقع ، آلية لتقاسم السلطة والمصالح والنفوذ والمغانم
والاسلاب بين اركان الشبكة المتسلطة المنوه بهم آنفا وحلفائهم .
حاول الرئيس فؤاد شهاب
في اواخر الخمسينات تطوير نظام فدرالية الطوائف الى دولة قانون ومؤسسات فنجح جزئيا
، لكن الشبكة السياسية المتسلطة من جهة وجهاز مخابراته من جهة اخرى اسهما في اجهاض
التجربة الرائدة .
بعد ثماني سنوات من
اعتماد نظام اتفاق الطائف على نحوٍ انتقائي ومتعثر ومنطوٍ علىالكثير من الفساد ،
جاء العماد اميل لحود الى الرئاسة من قيادة الجيش الوطني بعزيمة وتصميم تجليا في
خطاب القسم غير المألوف الذي القاه في مجلس النواب بعد انتخابه العام 1998 . لكن
الشبكة السياسية المتسلطة عادت الى توحيد صفوفها بعد فترة قصيرة من الانقسام
وبالتالي تمكنت من اجهاض المحاولة الاصلاحية
التي قادها مع رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص.
الحقيقة ان سوريا ذات
النفوذ والدور المؤثر في لبنان لم تدعم برنامج لحود والحص الاصلاحي كما يجب ربما
لشعورها بانه – اي البرنامج الاصلاحي -
ادى الى انقسام سياسي في البلد والىاستعداء الشبكة السياسية المتسلطة
والنافذة في وقت اخذت تشتد الضغوط الامريكية لكسر ارادة لبنان وسوريا وحملهما
علىالقبول بتسوية سياسية مع " اسرائيل " ليست في مصلحتهما . لذا مالت
دمشق ، لاعتبارات استراتيجية ، الى تقديم
مطلب الوحدة الوطنية في لبنان على
مطلب الاصلاح ، ومطلبي الامن والاستقرار على اي حاجة اخرى.
اليوم يقف لبنان ، بسبب
ازمته السياسية المتجذرة وازمته الاقتصادية المتفاقمة على مفترق . انه مهدد
بانفجار سياسي كما بانهيار اقتصادي ، يزيد من خطرهما الماثل عصبيات طائفية تتفلت باطراد من عقالها ،
وتطاولٌ سلطوي علىالحريات الديمقراطية ، ودسائس وضغوط صهيونية وامريكية لكسر ارادته
الوطنية وحمله على فك تحالفه القومي مع سوريا ، ودفعه الى التخلي عن مقاومته
الباسلة للاحتلال الاسرائيلي في منطقة مزارع شبعا ، وللانخراط في مخطط واشنطن
الرامي الى فرض تسوية سياسية جائرة مع
" اسرائيل " .
يزيد من خطورة الازمة الحاضرة قصور في
الادراك والاداء على صعيدي الشبكة السياسية المتسلطة والاجهزة الامنية النافذة . كل ذلك في وقت تتخذ
سوريا ، بقيادتها الشابة الواعدة ، قرارا استراتيجيا بالغ الجدية بتوثيق علاقاتها
السياسية والاقتصادية مع العراق وترفيعها الى مستوى التعاهد القومي من اجل حماية
مصالحهما المشتركة وانمائها ، ومن اجل دعم الانتفاضة الفلسطينية ومواجهة المخططات
الخبيثة لاسرائيل والولايات المتحدة . ففي الاسبوع الماضي ، عشية زيارة رئيس
الحكومة السورية لبغداد ، وفي ذروة الهجوم الاسرائيلي الدموي المتصاعد علىالشعب
الفلسطيني وكوادره المقتدرة ، كادت تظاهرة محدودة العدد والتأثير لنفر من الشبان
المعارضين للرئيس لحود وتحالفه القومي مع
سوريا تتسبب في اندلاع ازمة وطنية . وما كان الصدام في الشارع مع قوى الامن ،
والاشتباك السياسي في مجلسي الوزراء والنواب ليحدثا لولا قصور فاضح في اداء
الاجهزة الامنية المختصة وقصور اكثر عمقا وخطورة لدى اركان الشبكة السياسية
المتسلطة ، لا سيما في صفوف معظم ممثليها في مجلسي الوزراء والنواب.
×××
كيف يمكن ان يكون المخرج من ازمة لبنان ؟
ليس ثمة مخرج في المدى القصير ، ولا مجال
لاي رهان على الشبكة السياسية المتسلطة او على ايٍ من افرازاتها في المستويين
الرسمي والشعبي .
المطلوب والممكن تحركٌ سريع للقوى الوطنية
الديمقراطية الحية من اجل الاتفاق على برناج لمواجهة الازمتين السياسية
والاقتصادية ، وعلى صيغة تنظيمية لمباشرة عمل سياسي جاد وهادف بكل الوسائل
المشروعة.
ثمة حاجة استراتيجية لقيام قوة ثالثة تنشط
باستقلال عن الشبكة السياسية المتسلطة
والاجهزة الامنية القاصرة عن الرؤية السياسية المتكاملة ، والمعادية غريزيا
للحريات الديمقراطية شأن بعض اركان الشبكة المتسلطة . كل ذلك من اجل تطوير جبهة
سياسية معارضة ومتجاوزة لنظام فدرالية الطوائف والفساد والتقاتل على الاسلاب
والمغانم ، مع الاستعداد لأن تلعب دور الجبهة الحاكمة البديلة اذا ما سقطت الحكومة
الحالية نتيجة انفجار سياسي او انهيار اقتصادي.
القـوة الثالثة المرتجاة يجب ان تتمتع
باخلاقية سياسية رفيعة لمقاومة الفساد ، واجتراح اصلاحات سياسية واقتصادية طال
انتظارها ، واطلاق الحريات الديمقراطية وحماية ممارستها ، وتجاوز الطائفية بتهذيب
النفوس وتنظيف النصوص معا ، واقامة علاقات قومية متكافئة ومتقدمة مع سوريا ،
وتنشيط المساعي الرامية لاقامة سوق مشتركة عربية نواتها سوريا والعراق ولبنان ،
والالتزام بدعم المقاومة اللبنانية
ومساندة الانتفاضة الفلسطينية ، ورفع الحصار والعقوبات عن العراق ، وتعزيز العمل
العربي المشترك .
ثمة شخصيات وطنية قائدة
ونزيهة ذات تجربة وحكمة وشجاعة وحضور من امثال سليم الحص ورفاقه في " ندوة
العمل الوطني " ، ونجاح واكيم ورفاقه فـي " التجمع الوطني للانقاذ " ،
وحبيب صادق ورفاقه في " المنبر الديمقراطي " ، ونسيب لحود ورفاقه
في " حركة التجدد الديمقراطي " ، ومصطفى سعد ورفاقه في "
التنظيم الشعبي الناصري "، وقيادات اخرى ذات قدرات ووزن ورصيد من امثال
حسين الحسيني وعمر كرامي ووليد جنبلاط وزاهر الخطيب ونائلة معوض ، وبعض الاحزاب
الوطنية والاصلاحية الجادة وفي طليعتها "
حزب الله "...
ان هؤلاء واولئك جميعا مدعوون الى اجراء
مشاورات ووضع برامج وسيناريوهات والتفاهم على اطار تنظيمي مرن لاطلاق القوة
الثالثة المرتجاة ومباشرة نشاطها السياسي والاجتماعي الانقاذي الهادف وبالسرعة
الممكنة .
هل ثمة مخرج آخر ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)
نشر هذا المقال في جريدة " الخليج " ، الامارات
العربية المتحدة ، بتاريخ 18/8/2001