رجـل المهام الصعبة

د. عصام نعمان

 

قيل في رشيد كرامي انه كان رجل دولة .

اي دولة كان الرشيد رجلها ؟

لم تكن ثمة دولة في لبنان ليكون رشيد كرامي رجلها . كان ثمة نظام هو عبارة عن مجموعة من السلطات والادارات تتوزع فيما بينها آلية التقرير السياسي على قاعدة التقاسم الطوائفي للمغانم والاسلاب .

لم يكن رشيد كرامي رجل هذا النظام ، بل كان رجل دولة الاخلاق والوطنية والعدالة البازغة في ضمائر الشرفاء من اهل البلاد ممن اكتووا بنار الطائفية والمحسوبية والفساد.

رجل الدولة البازغة من ضمير الشرفاء اجتمع في شخصه ثلاثة رجال : الوطني ، والاصلاحي ، والحريص على المال العام.

وطنيته نبعت من تراثه : من تاريخ والده الجليل وسيرته العطرة مفتياً ، ومناضلاً من اجل الاستقلال ، ومصلحاً ثائراً على فساد اهل السلطة . كما اغتنت في شبابه بنوازع ابناء جيله لمقاومة الاستعمار والصهيونية ونصرة قضية الوحدة في زمن جمال عبد الناصر والقوى القومية الحية في مصر وسوريا .

إصلاحه السياسي تأثر بنهج والده وتعاطفه مع كمال جنبلاط وبردود فعل الشرفاء من ابناء الشعب حيال ارتكابات اهل السلطة واستشراء الفساد في كواليس الادارات .

حرصه على المال العام نشأ من تربيته البيتية وبيئته الوطنية واخلاقه السياسية وتكاملها مع مطلب الاصلاح .

كان كمال جنبلاط يحاذر الاشتراك في حكومة لا يرأسها رشيد كرامي . سألته مرة عن سر هذا الانحياز . قال دونما تردد : رشيد كرامي لا يمكن ان يخطىء في القضايا الوطنية.

كمال جنبلاط كان على حق . من يدرس سيرة رشيد كرامي تستوقفه هذه الحقيقة : كان دائما في صف الوطنيين ، واحيانا كثيرة على رأسهم ، في الدفاع قضايا الوطن والامة  .

فؤاد شهاب كان يحاذر ، هو الآخر ، ان يكلف رئاسة الحكومة سياسيا غير رشيد كرامي . فقد لاحظ اعظم الرؤساء بعينه الثاقبة ومراقبته الطويلة لمجريات السياسة اللبنانية ان اصغر رؤساء الحكومة سنا في زمانه كان اصلبهم وطنية ، واشهرهم نزاهة ، واكثرهم استعدادا لمشاركته مسيرة الاصلاح والتنمية .

بالتعاون مع فؤاد شهاب ، الوطني ، اللاطائفي ، المصلح ، والنزيه ترأس رشيد كرامي حكومة اصلاحية ما زالت انجازاتها الاكبر في تاريخ الاصلاح في لبنان.

ومن تجربته الثّرة في الحكم تعلم رشيد كرامي ان يمارس حرصه على المال العام من خلال حرصه على تسلّم وزارة المال . من ذلك الموقع المفتاحي الحساس كان الرشيد يسهر على حقـوق الدولة ومصالحها ويراقب معاملاتها المالية ، الكبيرة منها والصغير . ولعله بالغ في الحرص على المال العام ، وسط طاقم من السياسيين اشتهر بعكس ذلك تماما ، لدرجة نعته معها بعض الخبثاء بانه ابخل رؤساء الحكومة بالنسبة للموظفين ، فكان ان بالغ هؤلاء بالوصف باكثر مما بالغ الرشيد في الحرص.

الى هذا كله ، كان رشيد كرامي رجل المهام الصعبة . ففي كل منعطف وعلى كل مفترق وقع عليه الاختيار ليقود الحكومة والبلاد ، وسط لجة الخلافات ، الى شاطىء الامان.

ففي حمأة الاضطرابات التي عصفت بالبلاد في منتصف الخمسينات نتيجة سياسة الاحلاف ، وردود فعل دول الغرب واسرائيل على قيام الجمهورية العربية المتحدة ، واندلاع الانتفاضة الشعبية صيف العام 1958 ضد اعتزام الرئيس كميل شمعون تجديد ولايته ، وبعد انتخاب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية ، كلف رشيد كرامي رئاسة الحكومة الجديدة الاولى ثم الثانية في العهد الجديد ، وقد اخذ على عاتقه وأد الفتنة ، وبلسمة الجراح ، ثم قيادة سفينة الاصلاح الى مرساها الامين .

وفي العام 1975 بعد تفجر الصراعات الداخلية والخارجية علىالساحة اللبنانية ، ترأس الرشيد حكومة اقطاب ما كانوا ليرتضوا – وبينهم رئيس جمهورية سابق – رئيسا غيره في مثل تلك الظروف العصيبة.

وفي العام 1984 ، في اعقاب حرب اسرائيل على لبنان ومحاولتها تقييده باتفاق 17 ايار ، وقع الاختيار على رشيد كرامي ليرأس حكومة تنتشل البلاد من عثرتها وتضعها على سكة الخلاص.

لم يكن رشيد كرامي رجل المهام الصعبة فحسب بل كان رجل الهدؤ والتهرئة والوئام الوطني ايضا . لقد نأى بنفسه عن الحرب الاهلية التي عصفت بالبلاد منذ 1975 ، ورفض ان يشارك فيها باي شكل من الاشكال ، واصر على ان يمارس من موقعه المطوق باسلحة ميليشيات الامر الواقع سلطته كرئيسٍ لحكومة كل اللبنانيين من اجل استعادة وحدة البلاد وحريتها وسلامها الداخلي.

لكن العصبيات والمطامع والتدخلات الخارجية ما كانت لتحتمل سلوكا واداء على هذه الدرجة من الحس الوطني ، والشعور بالمسؤولية ، والترفع عن والصغائر والاحقاد ، فكان ان امتدت اليه يد الفتنة وقضى في فجأة الغدر شهيداً للبنان ، كل لبنان.

اما المهمة الصعبة ، مهمة انقاذ البلاد التي ندب رجل المهام الصعبة نفسه للقيام بها فما زالت عالقة بين ادغال المطامع والمصالح والاحقاد ، وما زال البحث جاريا عن فارس همّام ، من طينة الرشيد ، ينتصر للبلاد وينتشلها من وحشة الادغال ويقودها الى فضاء الخلاص والطمأنينة والسلام .