اميركـا والمسلمـون مشكلـة علاقـة

د. عصام نعمان

محامٍ وكاتب ، نائب ووزير سابق

 

       الاسلام دين المسلمين وثقافتهم(*) . هم شكله ومضمونه وفواعلـه وحركته ، وإن كانوا مقصرين عن بلوغ مُثله العليا . فلا يمكن فهم الاسلام الاّ من خلال فهم المسلمين في تفكيرهم وتدبيرهم وسلوكهم ومؤسساتهم وانجازاتهم وتجاربهم وتوقعاتهم . باختصار ، الاسلام روح ، والمسلمون جسد ، والاثنان يؤلفان كياناً عالمياً اجتماعياً تاريخياً متنامياً في مدى الزمن .

       اميركا دولة كبرى ، تطورت في مدى قرنين ونيف الى قطب دولي اعظم متفوق على سواه في مجتمع الامم والدول . عظمة اميركا وتفوقها يتجليان في ميادين العلوم والمعرفة والاقتصاد والسلاح والفضاء وخصوصا في التكنولوجيا.

       الاسلام واحد في روحه وجوهره ومُثله واركانه ، لكنه متعدد في فهم المسلمين له وتفسيرهم لقرآنه وتعبيرهم عن مُثله وتطبيقهم لاركانه ومعاملاته .

       اميركا واحدة في كينونتها الدستورية والسياسية ، متنوعة في اديانها وانتماءاتها الاجتماعية والثقافية ومتميزة بنفوذها وجبروتها العالميين.

       من هنا تنبع صعوبة الموازنة والمقارنة والمفاضلة بين المسلمين واميركا . غير ان ما يخفف من هذه الصعوبة اختيارنا التركيز على تحليل اشكالية العلاقة بين طرفي البحث . فالتحليل لا يشترط الندّية والتشابه بينهما بل ربما يتطلب الاختلاف والتعارض.

الاسلام والغرب تعدديان

       ثمة مشكلة في نظرة اميركا الى المسلمين وبالتالي الى علاقاتها بهم . ذلك ان لنظرة الدولة ، بكل مستوياتها السياسية والاقتصادية والثقافية ، دورا وتأثيراً في تشكيل علاقاتها مع دولة او كيان او مجتمع آخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) في الاصل بحث قدم  لمؤتمر نظمته ندوة العمل الوطني في بيروت حول " لبنان والعرب والعالم بعد 11 ايلول / سبتمبر " بتاريخ 17/2/2002

       ان الذين يعتبرون اميركا جزءا من الغرب ، الغرب المسيحي او الغرب السياسي، يفضلون مقاربة الموضوع من هذا الباب . غير ان نظرة متأنية الىالغرب عموما تؤكد حقيقة ساطعة هي انه ليس جسما واحدا موحدا بل هو متعدد ومتنوع . قد يبدو متكاملا في بعض وجوهه ومظاهره ، لكنه ينطوي ايضا على تفارق وتغاير في وجوه عدة . وفوق ذلك ، فان اميركا ، بحجمها وتفوقها ووزنها ونفوذها وتأثيرها ، تبدو اكبر وافعل من بقية اجزاء الغرب مجتمعة ، الامر الذي يسمح بدراستها على حدة .

       المسلمون ، شأن الغرب ، ليسوا جسما واحدا بل هم كيان تعددي . واذا كان يصعب على الغرب عموما ان تكون له نظرة أُحادية الى الاسلام والمسلمين ، كذلك يصعب على المسلمين ان تكون لهم نظرة احادية الى الغرب . اما في يخص اميركا فان بامكان المسلمين ان تكون لهم ، لا سيما على الصعيد السياسي ، نظرة احادية اليها ، بينما يصعب على اميركا ، عموما ، ان تكون لها نظرة احادية الى المسلمين كونهم كيانا ينطوي على تعددية لافتة  تتجلى في تنوع لغاتهم وثقافاتهم ومذاهبهم وتقاليدهم واعرافهم ونظمهم السياسية . والحال ان اميركا تنظر نظرة احادية الى المسلمين ، لا سيما على الصعيد الديني - الثقافي ، بينما لا ينظر المسلمون ، عموما ،  نظرة احادية الى اميركا وإن كانوا مالوا اخيرا الى التشارك في نظرة عدائية لها على الصعيد السياسي .

       من منطلق " وحدوية " المسلمين تبرز في اميركا نظرة احادية خارجية الى الاسلام بل نظرة عنصرية . يقول صموئيل هنتينغتون ، صاحب نظرية " صدام الحضارات "  ان الفروق بين الحضارات ليست فروقا حقيقية فحسب بل هي فروق اساسية ايضا . فالحضارات تتمايز الواحدة عن الاخرى بالتاريخ واللغة والثقافة والتقاليد ، والاهم بالدين (1)  . ولأن الاسلام والمسلمين يشكلون حضارة واحدة ، فــان هنتينغتـون يستشف مــن تاريــــخ صراعات المسلمين مع جيرانهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) Samuel P. Huntington,  “The Clash of Civilizations “ . Foreign Affairs 72,

      No. 3 ( Summer 1993) p 24.

 

 

و منافسيهم خطرا مقيما على الغرب . بل هو يذهب الى ابعد من ذلك بقوله انه ليس صحيحا ان الاسلام لا يشكل خطرا على الغرب ، وان الاسلاميين فقط هم الخطر . ذلك ان تاريخ الاسلام ، خلال اربعة عشر قرنا ، يؤكد – في رأيه- بانه خطر على اية حضارة واجهها ، خاصةً المسيحية .(2)

في هذا السياق ، يعتقد هنتينغتون " ان للاسلام حدوداً دموية " (3) ، مشيراً بذلك الى النزاعات مع الصرب الارثوذكس في البلقان ومع الهندوس في الهند ومع اليهود في اسرائيل ومع الكاثوليك في الفيليبين . ولكن ، هل هذه النزاعات  مع الاسلام ام هي مع المسلمين ؟ وهل المسلمون تصرفوا ويتصرفون في هذه النزاعات كجسم واحد موحد ؟ يؤكد دانيال بابيبس Daniel Pipes ، الخبير الاميركي في شؤون الشــرق الاوسط ، ان نسبة المسلميـــن الراديكاليين ( المتطرفين ) في العالم الاسلامي لا تتعدى ال 15 في المئة (4) ، فهل في إمكان اقلية موزعة على رقعة جغرافية ومساحة سياسية وثقافية شاسعة تمتد من اوزبكستان في الشمال الى الصومال في الجنوب ، ومن موريتانيا في الغرب الى ماليزيا في الشرق ، تعبئة وتحريك الاكثرية الاسلامية لخوض النزاعات المذكورة كجسم واحد موحد ؟ ألا يتطلب ذلك بالضرورة وجود دوافع اخرى غير المشترك الديني ؟

   ان هنتينغتون ينسى او يتناسى النزاعات التي نشبت في النصف الثاني من القرن الماضي بين باكستان وباكستان الشرقية ( التي اصبحت فيما بعد تدعى بنغلادش ) او بين مصر واليمن ، او بين مصر وليبيا ، او بين العـراق وايران ،  او بين العراق والكويت . كما يتناسى بالمقابـل - وهو القائل بوحدة الغرب الحضارية – النزاعات التي دارت بيـن دول اوروبا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ، لا سيما في الحربين العالميتين الاولى والثانية التي شاركت فيها اميركا .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2) Ibid., p 31

(3) Ibid., pp.34-35

(4)As cited in:  Francis Fukuyama . “Their Target: The Moderm world”. Newsweek, Dec 17,2001. ( Issues 2002 , pp.8-17 )

 

   قبل هنتينغتون ادلى المؤرخ اليهودي البريطاني برنارد لويس بدلوه في مسألة الصدام الحتمي بين الاسلام والغرب مفسرا ذلك باسباب سياسية وحضارية وديموغرافية . ففي مقالته الشهيرة " جذور الغضب الاسلامي " (5) اعتبر لويس المسلمين كيانا واحداً موحداً امكنهم في إطاره تحديد علاقتهم بالغرب  بلغة السخط والعنف والحقد واللاعقلانية !

وكان  البروفسور الاميركي أرون ويلدافسكي قد ارسى ، قبل لويس وهنتينغتون ، قواعد نظرية ثقافية تفسر لقاء الاضداد ضد الغرب (6) . فبحسب نظريته ، ثمة ثلاثة اصناف من الحضارة : الفردانية Individualistic والهرمية Hierarchic والمساواتية Egalitarian.

       في الحضـارة الفردانية يكون المجتمع بخير عندما يدير الافراد شؤونهم بانفسهم ، والقرارات تأتي نتيجة عرض ومساومة على نحوٍ تكون الحاجة فيه الى سلطة مركزية محدودة ، كما هي الحال غالبا في المجتمع الاميركي .

       في الحضارة الهرمية يكون المجتمع بخير عندما يحتل كل فرد محله المقرر ، على ان تقوم فئات معينة بالتضحية من اجل خير الكل ، كما هو الحال في المجتمع الاسلامي الاصولي " حيث تستقيم الامور عندما تصبح الشريعة الاسلامية هي القانون الاوحد الذي بموجبه يحكم المؤمنون الكفارَ ، ويحكم الرجالُ النساءَ ، ويحكم اللهُ الرجال َ " .(7)

       في الحضارة المساواتية يكون المجتمع بخير عندما تكون مرتبة كل شخص مساوية للاخرين ، كما في الدعوة الماركسية قبل انهيار الاتحاد السوفياتي .

       يدعي ويلدافسكي ان تهافت الماركسية حمل يساريي ما بعد الحداثة ، المشتعلين بالحماسة المساواتية والرافضين فساد الرأسمالية والمادية ، علىالتلاحم مع الاصوليين لتدمير المجتمعات الغربية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(5) Bernard Lewis,  “ The Roots of Muslim Rage “, Atlantic Monthly , Sept. 1990, 

     pp.2-60.

(6) As  cited  in  :  Jonathan  Rauch, “ The  Mullahs And  The  Postmodernists”,

     Atlantic Monthly, Jan. 2002, pp.21-22

(7) Ibid., p.22

هل ثمة اساس في الواقع او في ادبيات الدعوة الاصولية لذلك المجتمع السوبر اصولي الذي يتحدث عنه ويلدافسكي ؟! ثم اين نقع في المجتمعات الاسلامية على مثل ذلك التلاحم الخيالي بين اليساريين المساواتيين والاسلاميين الاصوليين ؟!

       على الموجـة نفسها يركب فرانسيس فوكوياما او يكاد بعد احداث 11 ايلول / سبتمبر . فالمسلمون الاصوليون المتطرفون ، غير المتسامحين مع تعددية الرأي والمعارضة ، أضحوا في رأيه فاشيي هذا العصر واعتى مناهضي الحداثة .

غير ان فوكوياما لا يلبث ان يجد جذورا لظاهرة " الاسلاماوية الفاشية " في الفقر والركود الاقتصادي والسياسات السلطوية التي تشكّل مادة  متفجرة للتطرف السياسي . ومع ذلك فهو لا يقرّ بان لاميركا دورا في تكوين تلك الجذور ، مستبعدا تحميل سياستها الخارجية – في فلسطين او العراق او ايران – اي مسؤولية مباشرة في ذلك (8).

          في مواجهة هذه النظرة الاحادية والعنصرية الى الاسلام ، كما الى المسيحية ، ينبري جون اسبوزيتو ، استاذ الدين والشؤون الدولية ومدير مركـز التفاهم الاسلامي – المسيحي في جامعة جورجتاون ، واشنطن ، منتقدا  ومفندا اطروحات لويس وهنتينغتون وأضرابهم بهدؤ وموضوعيـة . معه يستعيد الاسلام حيويته كقوة كونية ، وتتوضح في منظور نقدي علاقاته التاريخية مع الغرب وتنوّعه الثري في انبعاثه المعاصر ، كما تتكشف الاخطاء التي وقع فيها الكثير من الكتاب والمعلقين الاميركيين والاوروبيين في افتراضهم  وجود اسلام احادي ومتأصل في عدائه للغرب (9).

        هل لهؤلاء المفكرين والكتاب وسواهم دور في صناعة القرار السياسي الاميركي ؟ الجواب نعم . فهم ، الى مكانتهم الفكرية البارزة وتأثيرهم المعنوي في صناعة القرار ، يُستعان بهم كمستشارين وناصحين للوزراء واعضاء مجلسي الكونغرس ،  كمـا يخدمـون احيانـا كاعضـاء في لجـان متخصصـة يؤلفهـا الرئيس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(8)Fukuyama,” Their Target: The Modern World”, pp.4-5

(9) John L. Esposito, The Islamic Threat: Myth or Reality  ( New York – Oxford: Oxford University Press, 1999)

 الاميركي او نائبه او الوزراء او لجان مجلسي الكونغرس ليدرسوا بعض الحالات او المواضيع او المشاريع المطروحة على الهيئات المذكورة  وليضعوا في شأنها التقارير اللازمة . وليس ادل على تأثير بعضهم في كبار المسؤولين وصناع القرار من التصريح الذي ادلى به جون اشكروفت ، وزير العدل ، وفيه ظلال من افكار هنتينغتون ولويس وفوكوياما وويلدافسكي : " ان الاسلام دين يطلب فيه الله منك ان ترسل ابنك لكي يموت من اجله ، والمسيحية ايمان يرسل الله فيه ابنه لكي يموت من اجلك "! وقد اضطر اشكروفت ، عقب الضجة التي اثارها تصريحه،  الى توجيه رسالة الى " المجلس الاسلامي الاميركي للشؤون العامة " يوضح فيه موقفه للمنظمات العربية والاسلامية التي اعتبرت اقواله مهينة للدين الاسلامي .(10)

       ولا يقتصر تأثير الاكاديميين وكبار المثقفين والكتاب والمعلقين على الجمهور الاميركي فحسب بل يمتد ايضا الى الاوساط السياسية والثقافية خارج اميركا . وقد وجد فريق من هؤلاء اخيرا ، او ربما اوعز اليهم من اوساط اصدقائهم في الادارة الاميركية ، ان من الضروري مخاطبة العالم الاسلامي لتبرير الحرب التي تشنها بلادهم على الارهاب ، ملتمسين لها اسبابا اخلاقية . وخاطبت الرسالة ، وهي بعنوان " ما الذي  نحارب من اجلـه ؟ " وعليها تواقيع اكثر من ستين مثقفا واكاديميا ، المسلمينَ في العالم ، قائلـةً : " نحن لسنا اعداء بل أصدقاء " ، موضحة ان العدو ليس الاسلام بـل " الاسلاميون السياسيون المتطرفون " . ولعل افضل ما انطوت عليه الرسالة  اعتراف موقعيها بالنواحي السلبية في السيـاسة الخارجية الاميركية وتأثيرها في العالم وذلك على النحو الاتي :

                   " تصرفت امتنا بغطرسة وجهل تجاه المجتمعات الاخرى.

                   وفي بعض الاوقات اعتمد قادتنا سياسات غير رشيدة وغير

                   عادلة . ونحن لا نستطيع ان نحث المجتمعات الاخرى على

                   الالتزام بالمبادىء الاخلاقية من دون ان نعترف في الوقـت

                   ذاته باخفاق مجتمعنا في بعض الاوقات بالتزام المبادىء ذاتها ."(11)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (10) جريدة " السفير " ، بيروت ، تاريخ 14-2-2002، صفحة 18.

(11) المصدر نفسه ، صفحة 1

 

        مثل هذا البوح ، على قصوره ، يساعد على فتح مناقشة حرة مع الانتلجنسيا الاميركية ، كما يسهم في تصحيح نظرة العرب والمسلمين الىاميركا ، فلا تبقى احادية وعاجزة ، هي الاخرى ، عن رؤية " موازييك " العقائد والمواقف والمشارب والالوان والتيارات التي يزخر بها العالم الجديد المتجدد.

 

محاور الصدام

       اذا كان نابوليون بونابرت اول زعيم اوروبي يعتمر العمامة تقربا من فقهاء المسلمين في مصر غداة احتلالها في اواخر القرن  الثامن عشر ، فان الرئيس الجنرال دوايت ايزنهاور هو اول رجل دولة اميركي يعتبر الاسلام مشترَكا جغراسيا  Geopoliticalاساسيا في وضع إستراتيجية سياسية وعسكرية من اجل احتواء دول منطقة الشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) . ففي تحقيق دقق فيه محمد حسنين هيكل ملفات واوراق الادارة الاميركية في حقبة الخمسينات نقع على حقائق بالغة الأهمية حول ارهاصات الهيمنة الاميركية على مقدرات المنطقة التي اكتملت لاحقا باخراج مصر ، عبر اتفاقات " كامب دايفيد " ، من حلبة الصراع العربي – الاسرائيلي . (12)

يتضح من تلـك الملفات والاوراق ان جون فوستر دالاس ، وزير الخارجية في عهد ايزنهاور ، " كان المبّشر الاعلى صوتا بان الدين هو السلاح الاكثر فعالية ونفاذا في العالم الثالث ، لأنه الهوية  التقليدية لشعوب وامم ما زالت على وعيها العذري الفطري " ، وان شقيقـه الان دلاس ، مديـر وكالــة المخـابرات المركزيــة ، تــولى مهمـة " اطــلاق  الافكــار وليس اطلاق الــنار" ، باعتماد " سلاح الاعتقاد ضد تهديد الالحاد " ( الشيوعي ) . في هذا الاطار " فأن وكالة المخابرات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(12) مجلة " وجهات نظر " ، القاهرة ، العدد 36، 2002 ، صفحة 4-17

 

الاميركية تجاسرت على اتخاذ شعارات الاسلام – وهو العقيدة الاكثر انتشاراً في المنطقة -  لتكون وسيلتها وذخيرة سلاحها ". وعلى هـــذا الاساس اقيم " حلف بغداد " ( تركيا والعراق وايران وباكستان ) ثم  " الحلف المركزي " ( الدول ذاتها ناقص العراق الذي خرج بعد ثورة 1958) ثم "الحلـف الاسلامي " ( ايران وباكستان ) الذي خرجت منه تركيا ويممت وجهها شطر اوروبا . بعد ذلك اصبحت " هذه الاحلاف ( مع استحالة الحرب ) غارقة الى الآذان في حروب العقائد ، فقد جرى الخلط بين الدعوة الدينية والتجسس الامني بما لذلك في معظم الاحيان من نتائج خطرة . (13)

          بإحكام قبضة اميركا تدريجا علىالمنطقة منذ مطالع الخمسينات ، تكونت جملة اوضاع وازمات وتحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وامنية في معظم الدول الاسلامية . فقد القت هزيمة 1948 في فلسطين بثقلها على الجسم العربي الذي شهد انقلابات عسكرية في سوريا ومصر ومن ثم في السودان والعراق واليمن وليبيا ، كما جرت احداث مشابهة في ايران وتركيا وباكستان ، ناهيك عن اندلاع الثورة  وانتصارها في الجزائر ، وبعدها بنحو عشرين سنة في ايران .

كانت الدعوة القومية ، الناصرية والبعثية ، هي التيار الغالب في هذه الاحداث الى ان وقعت هزيمة عام 1967 في فلسطين . ولقــد ثبت مــن اوراق وملفات الادارة الاميركيـة في الخمسينات والستينـات ان اميركا واجهـت التيار القومي العربي بالدعوة الاسلامية من خلال انظمـة سياسيـة وتنظيمـات اسلاميـة واجهـزة مخابرات تخـلـط ، كـما كشف هيكـل ، بين الدعوة الدينيــة والتجسس الامني . وبعد انتصار الثـورة الاسلاميـة في ايران اتخذت سياسـة الاعتمـاد على التيــارات والتنظيمـات الاسلامية منحى  آخر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(13) المصدر نفسه ، صفحة 8-12. الجديد بالذكر ان الادارة الاميركية ووكالة المخابرات المركزية اعتمدت في وضع استراتيجيتها ، كما يظهر من الملفات والاوراق التي حققها هيكل ، على دراسة وضعها فريق من اساتذة جامعتي برنستون وشيكاغو ، على رأسهم البروفسور بولك ، استاذ الدراسات الاسلامية في جامعة شيكاغو . وقد نصت هذه الدراسة على ان الدولة الوطنية في العالم العربي ظاهرة حديثة وهشة وان الرابطة الدينية اقوى وافعل.

اكثر جدية اذْ انتهزت الادارة الاميركية ، في عهد الرئيس جيمي كارتر  وبتوجيـه من زبغنيو بريجنسكي مستشاره للامن القومي ، فرصة انغماس موسكو في المستنقع الافغاني  لتوظيف الدعوة الوهابية والاموال السعودية – وفق تحقيق هيكل - في استراتيجية جسورة " لتدمير الاتحاد السوفياتي اطلقت عليهـــا اسم " مشروع الجهاد الاسلامي  في افغانستان" . وقــد كشف بريجنسكي تفاصيل هذا المشروع في حديث صريح اجرته معه مجلة " لانوفيل اوبرفاتور " الفرنسية ، على النحو الآتي :

-                               الخطـوة الاولى قـرار اميركـي بازعـاج السوفيـات في جهورياتهـم الجنوبية ( الاسلامية ) من قواعد في افغانستان .

-                               الخطوة الثانية تصعيد هذا النشاط وتكثيفه الى درجة يضطر معها السوفيات الى التدخل العسكري .

-                               واخيرا تأتي الخطوة الثالثة وهي اعلان الجهاد بعدما يقع الدخول السوفياتي المأمول والمطلوب .(14)

غير ان " اعترافات " بريجنسكي انطوت ايضا على ما هو في اهمية كشفه المخطط الذي ادى ، في نهاية المطاف ، الى اخراج الاتحاد السوفياتي من افغانستان وانهياره لاحقا ، وهو بناء تنظيمات ارهابية – بينها حركة طالبان بمعاونة اجهزة المخابرات الباكستانية – لتتولى بعناصر اسلامية استنزاف الاتحاد السوفياتي . ولعل من المفيد اقتباس الحوار الذي دار بين مندوب المجلة الفرنسية وبريجنسكي حول التنظيمات الارهابية التي اقامتها اميركا لهذا الغرض تعميما للفائدة :

-                                سؤال : هل تعرف ان ذلك معناه انكم اعطيتم السلاح للارهابين  الذين

   اصبحوا ( لاحقا) اعداء لكم ... انكم خلقتم بذلك صورة الاسلام الارهابي ؟  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(14) المصدر نفسه ، صفحة 17        

- بريجنسكي : ايهما افضل للغرب : انهيار الاتحاد السوفياتي أم ممارسة  الارهاب بواسطة بعض  الجماعات الاسلامية ؟  ايهما اخطر على الغرب ، طالبان ام الاتحاد السوفياتي ؟

- سؤال : لكن الارهاب الاسلامي يمكن ان يتحول الى موجة عالمية ؟

- بريجنسكي : هذا كلام فارغ ، يخلط بين الاسلام وبين ظواهر العولمة ، لننظر الى الاحوال الاسلامية من دون اثارة . هناك دين له احترامه وله اتباع يقدر عددهم بمليار ونصف المليار من الناس ، لكن الدين  لا يجمع  مسلما اصوليا من السعودية او مسلما عسكريا من باكستان ، او مسلما معتدلا من المغرب ، او مسلما متعلما من مصر، او مسلما قبليا من وسط آسيا . لا شيء يجمع هؤلاء اطلاقا . لا يجمعهم الا ما يجمع المسيحيين في العالم ، وهو في الواقع لا شيء ! (15)

        بقية الرواية معروفة . فقد خرجت القوات السوفياتية مدحورة من افغانستان ،  وانهار الاتحاد السوفياتي بعدها بوقت قصير. ثم انقلبت حركة طالبان وغيرها من التنظيمات الاسلامية الارهابية على وكالة المخابرات المركزية الاميركية ونفذت ، على التوالي ، عمليات ارهابية بالغة الدقة وعظيمة الفعالية في سفارتي اميركا في تنزانيا وكينيا ، ثم في مركز التجارة الدولي في نيويــورك (1993) ، ثم في مينـاء عــدن ( المدمرة " الاميركية  كول " ) ثم العملية الزلزاليـة الهائلـة في 11 ايلول / سبتمبر2001 في نيويورك وواشنطن التي ذهب ضحيتها نــحو /3000/ شخص .

الى من يقتضي ان يقدم الرئيس جورج بوش تعازيه الحارة ؟ الى الممولين ؟ او الى المخططين ؟ ام تراه يكون اكثر انصافاً وجرأة فيقدمها بكل الاسـف والحزن والندم الى ذوي الضحايا الاميركيين وغير الاميركيين ، المسيحيين والمسلمين والوثنيين فـي جميع البلدان ، شرقاً وغرباً ، الذين اذيقوا ، بغير وجه حق ، طعم ارهاب متخرجين " تائبين " من اجهزة المخابرات الاميركية؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(15) المصدر نفسه ، صفحة 17

كل هذه الحقائق والمآسي تطرح مجددا مشكلة العلاقة بين العرب والمسلمين واميركا ، بل تطرح مشكلة  استخدام الدين والارهاب من قبل اداراتها المتعاقبـة واجهزة مخابراتها منذ عهد ايزنهاور  الى الوقت الحاضر ، ودورها في القضايا والازمات والمشاكل التي عصفت بالعالم العربي والاسلامي ما يزيد عن نصف قرن ، وابرزها قضايا فلسطين والعراق والنفط ، وصولا الى تجلياتها الراهنة ودور اميركا فيها .

في هذا السياق ، ثمة سؤال مفتاحي  يطرحه ، هذه الايام ، رؤساء الدول المعنية واللاعبون الاقليميون والدوليون  : ماذا سيحدث اذا قررت اسرائيل " تصفية "  ياسر عرفات جسديا بقتله او سياسيا بنفيه الى خارج فلسطين ؟

ان احتمالات ثلاثة ممكن ان تحدث . اولها ان تتصدع الانتفاضة بسبب الصراع على الخلافة ، خاصةً ان لا احد ، في الوقت الحاضــر ،  غير " الختيار " يملك الرصيد والشعبية والكاريزما . ثانيها ان تتوحد الصفوف وتنعقد الخناصر ويستعّر القتال ويتوسع ليطاول  اسرائيل  في العمق بأعنف مما كان عليه الامر في الماضي . ثالثها ان تحاول اسرائيل التعامل مع مجموعة اخرى ، لعلها من اركان السلطة والاجهزة الامنية ، لغرض ملء الفراغ الطارىء بتنازلات سياسية اعلى من تلك التي لوحّت بها لعرفات ، لكن ادنى من تلك التي لوح له بها الرئيس الاميركي السابق بيل كلنتون في " كامب دايفيد " ، صيف العام 2000 .

ان الاحتمالات الثلاثة ممكنة . اكيد انه من مصلحة  اسرائيل  انزلاق الفلسطينيين الى الاحتمال الاول . وهي لن تدخر وسعا لصبّ الزيت على النار ، والعمل من وراء  الستار لتأجيج الصراع وتأليب البعض على البعض الآخر تمهيدا للوصول الىالاحتمال الثالث الذي يناسبها تماما .

اميركا، على الارجح ، ستترك الامر الى  اسرائيل  ، بادىء الامر ، لكنها لن تتوانى عن التدخل لاحقا لدعم من تـراه مناسبا من قادة الاجهزة الامنية ليكون المحاور الاول لاسرائيل  في المفاوضات .

اياً ما كان الاحتمال الراجح ، فان ثمة حقائق ثلاثا لا يمكن تجاهلها او القفز فوقها . الحقيقة الاولى ان عرفات سيبقى مؤثرا وصاحب دور رئيس في الصراع حتى لو جرى نفيه . لقد بات رمز كفاح الشعب الفلسطيني ولا سبيل الى تجاوزه باي قيادي آخر مهما وُضعت بتصرفه امكانات وقدرات وفرص وتسهيلات .

الحقيقة الثانية ان المقاتلين في صفوف منظمات المقاومة سيتقدمون على السياسيين من دون ان يلغوا دورهم . والارجح ان ينبثق من صفوف المقاتلين سياسيون صاعدون ، وان يكون لهم دور نافذ في التوجيه والقيادة.

الحقيقة الثالثة حصول تصعيد في حدّة الصراع بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني على نحوٍ يؤدي الى ارتقاء نوعي في اداء المقاومة والانتفاضة .

المقصود بالارتقاء النوعي ان تبتدع قيادة الانتفاضـة ، او قيادات منظمات المقاومة ، او المجاهدون والانصار انفسهم ، مناهج او اساليب او اسلحة جديدة غير مستعملة  من قبل ، يكون من شأنها احداث تغيير نوعي في طبيعة الكفاح وفي نتائجه . فالعمليات الاستشهادية ، مثلا ، لم تكن مألوفة او معتمدة في الكفاح الفلسطيني المسلح قبل الانتفاضة الثانية . لقد ولدت في حمأة القتال ، وفرضها لجؤ  اسرائيل  الى الاسلحة الثقيلة - الطائرات والمروحيات والدبابات - في مواجهتها الوحشية لاطفال الحجارة ومن ثم للمجاهدين من حملة الاسلحة الخفيفة.

كان المجاهدون يمنّون النفس بأن تؤمن العمليات الاستشهادية توازن رعب فاعلا مع العدو يكرهه على التراجع ومن ثم على اخلاء المستوطنات  في الميدان او على طاولة المفاوضات . لكن العدو تحامل على نفسه وضاعف من شراسته وصولا الى تقويض السلطة الوطنية وما يمكن ان يتبعها من نفي لعرفات او ربما تصفيته .

في هذه الاثناء ، ستحاول اميركا تهدئة ارييل شارون من دون التخلي عنه. ذلك ان ما يهمها ، من الآن لغاية آخر العام 2002 ، تجميد الجبهة الفلسطينية للتفرغ للجبهة العراقية حيث يجري التخطيط لحدث جلل.

الواقع ان ثمة مشهداً آخر مرتبطاً بالمشهد الفلسطيني ولا سبيل لعزله عنه . انه المشهد العراقي الذي أفرز حربا اقليمية في مرحلة اولى وحرباً عالمية في مرحلة ثانية والمرشح لافراز حرب ثالثة لا يعرف احد كيف ستتطور والى ماذا ستنتهي .

هنا ايضا يطرح رؤساء الدول ووزراء الخارجية والدفاع واللاعبون المحليون والاقليميون والدوليون والمعنيون في كل مكان سؤالاً مفتاحيا : ماذا سيحدث اذا قررت اميركا ازاحة صدام حسين شخصياً او القضاء على نظامه ؟

ان احتمالات ثلاثة ممكن ان تحدث . اولها ان يتسلم ابنه قصي مقاليد الامور، فتكتفي امريكا مرحليا بهذا القدر بانتظار جولة لاحقة يكون فيها اللاعبون العراقيون المحليون هم ابطال اللعبة بالدرجة الاولى . ثانيها ان يستولي ضباط الجيش على السلطة وينفتحوا على قوى المعارضة فتقوم تركيبة حاكمة جديدة برعاية اميركا ومؤازرة  اسرائيل  . ثالثها ان تقرر اميـركا المشاركة في حرب هادفة ، ان صح التعبير ، يتأتى عنها تقسيم  العراق الى ثلاث مناطق يجمعها اتحاد كونفدرالي او الى ثلاث دويلات متمايزة  ومتناحرة .(16)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(16) يخشى البعض من ان يكون تقسيم العراق او تدميره مجدداً شرطاً لقيام دولة فلسطينية . ذلك ان وجود عراق قوي يفسح في المجال لانتشار جيشه علىالضفاف الشرقية لنهر الاردن حالما يتمكن الفلسطينيون في الضفة الشرقية – حيث هم الاكثرية – من حسم الصراع على السلطة لمصلحتهم ، فتقوم دولة " فلسطين الكبرى " على الضفتين.

 

 

 

 

 

ظاهر الحال يوحي بأن كلاً من الاحتمالات الثلاثة بالغ الصعوبة . نلسون مانديلا استهجــن احتمال شن امريكا الحرب على العراق وقال انها ستنتهي الى كارثة . المستشار الالماني غيرهارد شرودر رفضها وحذر من الانزلاق اليها وقال انها ستنتهي الى تصديع التحالف ضد الارهاب . الزعماء العرب اوحى بعضهم سرا وجهر بعضهم الآخر علنا بانهم ضدها وان العالم العربي والاسلامي كله سيقف ضدها ايضا. ايران نددت بها بقوة. روسيا والصين عارضتاها وحذرتا امريكا من عواقبها. فرنسا وبريطانيا وقفتا منها موقفا سلبيا في الظاهر وقالتا انها غير واردة في الوقت الحاضر.

حتى  تركيا ، بلسان رئيس حكومتها بولنت اجاويد ، حذرت من عواقبها وإن وعدت  اميركا باعادة النظر بموقفها الرافض لها اذا اقتضت الظروف والمصالح .

مع ذلك ، يبدو ان بواطن الامور تشي بغير ما يوحي به ظاهر الحال . فالادارة الاميركيـة اتخذت قرار الحرب ضد العراق او هي في صدد اتخاذه . ثمة مؤشرات عديدة تدل على ذلك ، ابرزها  ثلاثة نطق بها اعمدتها الثلاثة :

جورج دبليو بوش دعا الرئيس العراقي الىاعادة المفتشين الدوليين لمتابعة مهمتهم . سأله احد الصحافيين : مذا يحدث اذا لم يفعـل ؟ اجابـه بوش متوعداً : " سوف يرى " . بعد ذلك وفي مناسبات عدة كرر تهديده بقوة بوجوب تغيير النظام العراقي.

دونالد رامسفلد ، وزير الدفاع ، كان اكثر صراحة  ، اذْ قدم تبريرا شديد الوضوح لـ " حيثيات  " الحرب في حديث  الى شبكة " أن بي سي "

التلفزيونية . قال رامسفلد : " ارسلنا مفتشين الى العـــراق على مدى سنوات ولم يجدوا شيئا مهما . من الصعب جدا في ظل مهمات تفتيش اكتشاف ما يجري . فالعراقيون يملكون مختبرات كيماوية متنقلة من الصعب جدا اكتشاف مكانها . نعرف ان هذا الرجل ( صدام ) مصمم على التزود باسلحة دمار شامل . انه يملكها واستخدمها ضد شعبه ".

لمزيد من الايضاح صرح رامسفلد الى شبكـة " سي.ان.ان " التلفزيونية بعد يومين من حديثه الاول بالآتي : " ان فرص اصلاح العراق في وجود صدام حسين معدومة . ليس من المحتمل تغييره من داخل من دون عملية اغتيال او شيء من هذا القبيل ..."

كولن باول ، وزير الخارجية ، لم يكن اقل صراحة من زميله رامسفلد . قال لشبكة " سي بي اس " التلفزيونية  : " ان واشنطن تشتبه في مواصلة بغداد برامجها الرامية الى حيازة اسلحة الدمار الشامل . وانها ستنظر بعين الرضا الى سقوط نظام صدام ... فهو يبقى من اهدافها . اما هدف الامم المتحدة فهو عـودة المفتشين والتخلص من اسلحة الدمار الشامل " . (17)

معنى هذا الكلام ان لاميركا هدفا متميزا عن الامم المتحدة . فهذه الاخيرة تريد عودة المفتشين من اجل التخلص من اسلحة الدمار الشامل . اما اميركا فان هدفها هو اسقاط نظام صدام ، وهي تحتفظ لنفسها بتحقيق هذا الهدف حتى لو وافق الرئيس العراقي على عودة المفتشين . وفي هذا السياق ايضا فُسر الاعلان عن جولة لنائب الرئيس الاميركي ديك تشيني تشمل مجموعة من دول المنطقة .

ثمة رابط ، في نظر واشنطن ، بين المشهد الفلسطيني والمشهد العراقي ، فلماذا لا يكون هناك رابط  ، في نظر الفلسطينيين والعراقيين ، بين المشهدين  ليـبني ، في ضوئـه ، كل من الفريقين على الشيء مقتضاه ؟

اميركا رفضت ، مذّ تسلم جورج دبليو بوش مقاليد الرئاسة ، القيام بدور توفيقي بين  اسرائيل  والفلسطينيين الى ان وقع زلزال 11 ايلول / سبتمبر. في اعقابه وبسبـبه قررت واشنطن شن الحرب علىالارهاب وهي تشمل ، فيـما تشمل ، اسقاط النظام العراقي بدعوى حيازته اسلحة دمار شامل ، ومـــؤازرة  اسرائيل  في استئصال منظمات " حماس " و " الجهاد الاسلامي " و "كتائب شهداء الاقصى " بدعوى انها ارهابية . هذان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(17) لمزيد من المعلومات حول تصريحـات بوش ورامسفلد وباول ، تراجـع الصحف اليوميــة مـن 20/11/2001 لغاية 5/12/2001. 

الهدفان المترابطان لا يمكن تحقيقهما دفعة واحدة لتفادي ثورة  في العالم العربي والاسلامي . لا بد ، اذاً ، في المفهوم الاميركي ، من تهدئة المشهد الفلسطيني من اجل التفرغ لاحقا للمشهد العراقي .

في هذا السياق جرى ايفاد الجنرال انطوني زيني الىالمنطقة من اجل التوصل الى ترتيبات لوقف النار في الاراضي الفلسطينية المحتلة والايحاء بان ثمة مفاوضات واعدة ستأتي بالدولة الموعودة للفلسطينيين . لكن انفجار الوضع عشية قدومه كان من الضخامة بحيث بات  يهدد عرفات بالتصفية او النفي ومنظمات المقاومة بالاستئصال . لقــد غيّرت  اسرائيل  قواعد اللعبة بشكل جذري الامر الذي يستتبع  بالضرورة تغييراً مماثلاً لدى الفلسطينيين ، فماذا تراه يكون ؟ هل ثمة سلاح نوعي لديهم اعلى وافعل من العمليات الاستشهادية ؟ هل صاروخ " القسام 20 " هو السلاح النوعي المنتظر ؟

والعراق ، ماذا تراه يفعل اذا غيّرت قواعد اللعبة فغزت بقواتها اراضيه في محاولة مكشوفة لمساعدة المعارضة في شماله وجنوبه على اسقاط النظام وتصفية صدام ؟ ان منطق واشنطن في اعتزامها ضرب العراق هو مجرد الاشتباه بان لديه اسلحة دمار شامل . حسناً ، ان اسرائيل تملك افتك اسلحة الدمار الشامل  من جميع الانـواع ، وترفض توقيع معاهدة منع انتشــار الاسلحة النووية ، وكثير من رؤساء الدول يعتقدون ان لا جدوى من محاولة احياء عملية السلام في وجود شارون ، فهل تجيز اميركا للفلسطينيين اغتياله كما تبتغي اميركا بالنسبة لصدام ؟

يبدو ان اميركا لم تفقه بعد دروس 11 ايلول/ سبتمبر. هي لا تدرك مخاطر قهر الشعوب ودفعها الى اليأس ، ولا تقدر عواقب شعور اليائسين بانهم مهددون ، فوق القهر ، بالسحق والاستئصال على ايدي الميئوس منهم.

اميركا تنعت صدام حسين بشتى النعوت التي ليس اقلهــــا انه " استخدم اسلحـة الدمار الشامل ضد شعبه " . حسنا ، اذا صح انه فعل ذلك ،  هل تراه يتردد في استخدامها ضد قواتها الغازية في لحظة يأس خانقة ؟

الفلسطينيون المقاومون ... ماذا تراهم يفعلون اذا اصبحت ظهورهم الى الحائط ، فوق رؤوسهم طائرات شارون وامامهم دباباته تتحرك للانقضاض عليهم واستئصالهم ؟ الا يفكرون ، في لحظة يأس ، في استخدام اسلحة الدمار الشامل ؟

اميركا تعلم ، كما اسرائيل ، انه اصبح في وسع افراد وجماعات تصنيع اسلحة كيماوية وبيولوجية حتى في الشقق السكنية . ثم ان صدام ، وقد ادرك الترابط بين المشهدين الفلسطيني والعراقي ، ربما لا يضن على القادة الفلسطينيين باسرار صنْعها اذا عجزت عقول الاختصاصيين من ابناء شعبهم عن امتلاكها لتحقيق توازن رعب جديد مع اعدائهم الذين يملكون الكثير منها.

هل تظن امريكا واسرائيل ان اليائسين الفلسطينيين يترددون في استخدامها كسلاح اخير ؟ انها اسهل تركيبا ، وادنى " ثمنا " من العمليات الاستشهادية ، فهل يتأخـر عن ممارسة الاقل من يقدر على ممارسة الاكثر ؟

ثمة سبب لأن يرتعد المرء خوفاً لمجرد التفكير في ما يمكن ان يحدث على مسرح اللامعقول هذا الذي يمثل الميئوس منهم واليائسون على خشبته اخطر الادوار واعظمها عنفا . انـــه كابوس مقلق ، يتسبب في صنعه واخراجه في اميركا من يظن  ، في عمق احاسيسه المنحرفة ، ان السلطة والهيمنة والثروة والاستئثار اغلى ما في الحياة . بل انها الكارثة التي حذر منها ، بضميره الحي ، نلسون مانديلا ، فهل من يرى و يسمع ؟

       يا عقلاء العالم ، اتحدوا !

 

          تتداخل بقضيتي فلسطين والعراق قضية اخرى سابقة لهما ولاحقة : انها قضية تدويم هيمنة اميركا على النفط ، انتاجا ، ونقلا وتسويقا وتسعيرا وتكريرا وتوزيعا.

       في هذا السياق بدا اسقاط نظام طالبان مجرد مقدمة لغرض اكبر . انه تشديد القبضة على منطقة ينابيع النفط الاسلامية من موقعها القديم الزاخر في الخليج امتدادا الى موقعها الجديد الواعد في بحر قزوين .

       هذا ما يفسر تواطؤ روسيا بفتحها ابواب جمهوريــــات آسيا الوسطى ( كازاخستان واوزبكستان وطاجيكستان) كنقاط وثوب للقوات الامريكية الجوية والبرية على نظام طالبان المهزوم .

     الصين شاركت ، بسكوتها، عن العملية الاميركية الكبرى . ادوارد سعيد ذكّرنا بـِ " ان الصين ستدرك الولايات المتحدة على صعيد استهلاك النفط "(18)، ذلك ان اقتصادها – كما يؤكد خبراء دوليون – سيصبح الاكبر في العام قبل 2015.(18)

    بات واضحا ان اميركا انتهزت فرصة الرد على ضربة 11ايلول/ سبتمبر لاعادة صياغة موازين القوى وعلاقاتها والخارطة السياسية لمنطقة الوسط الاسلامي على نحوٍ يؤمن لمدى قرن حاجاتها الاستراتيجية من النفط .

        ان نظرة احصائية خاطفة على هذا الموضوع كافية لابراز اهميته البالغة. فالولايات المتحدة تعتمد على استيراد النفط لسد اكثر من نصف حاجاتها الاستهلاكية . وسوف تزداد هذه الحاجة ، حسب تقديرات " مركز دراسات الطاقة العالمي " في لندن ، لتصل الى حدود ثلثي كمية الاستهلاك الاميركي في العام 2005 . وثمة تقدير آخر بأن يزداد اعتماد العالم على انتاج منظمة اوبك لسد نصف احتياجاته من النفط بحلول العام 2020 . هذا الانتاج سوف يتركز في ست دول فقط من اعضاء اوبك ، كما يقع نحو 88 في المئة من الطاقة الانتاجية لهذه الدول الست في منطقة الخليج .(19)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(18) جريدة " الحياة " تاريخ 23/9/2001

(19) حسين عبد الله ، " مستقبل النفط العربي " ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2000

      

 

       ثمة سبيلان امام واشنطن لتدويم تحكمها بالنفط العربي والاسلامي :

·                                                       استمرار الوجود العسكري الامريكي في الخليج وتعزيزه.

·                                                       استمرار اسرائيل في لعب دورها التقليدي كشرطي اقليمي قامع لدول الطوق العربية ومستنزف لقدراتها ومجهوداتها التنموية من خلال صدامات وحروب اقليمية.

مع ذلك تتوافر فرصة في الوقت الحاضر ، والى مدى عشر سنوات ، يستطيع العرب – بعضهم على الاقل – اغتنامها ليستخدموا سلاح النفط على نحو يحفظ حقوقهم ومصالحهم.

الفرصة تتيحهـا ازمة الطاقة بما هي النقص  في امدادات النفط  او ، في اختصار ، عدم تناسب العرض مع الطلب . فالطلب كبير ويتزايد باستمرار ، بينما العرض محدود ويتضاءل باطراد .

الطلب يتزايد بوتيرة متسارعة على الوقود لانتاج الكهرباء والتدفئة والتبريد وبنزين السيارات والطائرات ، في وقت تشير المؤشرات والاحصائيات الى ان قدرات الانتاج الاضافية لمصدري النفط غير كافية لمواجهة مضاعفات الازمة.

هذه الوقائع والمؤشرات كشفها تقرير مسهب عن أزمة الطاقة اعدّه " معهد جيمس بيكر الثالث للسياسة العامة " في جامعة رايس الذي خلص الى التأكيد بان الآليات والاجراءات والمبادرات السياسية التي كانت تلجأ اليها اميركا خلال السنوات العشر الماضية لسد النقص المتزايد في الطاقة لم تعد فاعلة ولا كافية بسبب تزايد الطلب العالمي علىالنفط وسائر مصادر الطاقة لدرجة فاق معها كثيرا قدرات الانتاج الاضافية لمصدري النفط ، ومن ضمنهم السعودية.

هذا الوضع يوفر فرصة ، كما في السبعينات ومطلع الثمانينات ، من شأنها ان تتيح للعالم العربي – اذا ما تحرك متضامنا مع ايران – ليمارس ضغوطاً اقتصادية وديبلوماسية على البلدان المستهلكة في الغرب قبل ان تدخل مناطق جديدة غير عربية وغير ايرانية حلبة الانتاج التجاري بصورة كاملة . هذه الفرصة لن تدوم الاّ لفترة قصيرة نسبيا : من ثلاث الى عشر سنوات . انها فرصة في متناول اليد لأن اميركا تجد نفسها في ورطة ديبلوماسية واقتصادية مع العالم العربي والاسلامي الامر الذي يعزز المركز التفاوضي للدول العربية والاسلامية اذا ما تضامنت واحسنت استعمال هذا السلاح الاستراتيجي.

         النفط ليس سلعة استهلاكية فحسب بل مصدر عائدات مالية ضخمة ايضا . من هنا تنبع حاجة اميركا الىالتحكم به من جهة ، ومن جهة اخرى حرمان الدول " المارقـة"  منه ( العراق وسوريا وايران )  مترافقا مع سعي واشنطن الى التحكم بالنظام المصرفي العالمي من خلال قرار الرئيس الاميركي تجميد الودائع المالية لمجموعة من المنظمات السياسية  والجميعات الخيرية في المصارف الاميركية ، مع صلاحيات اضافية لوزارة المالية لفـرض عقوبات علىاي جهة او مؤسسة ترفض التعاون مع اميركا في هذا السبيل . بل هذا ما يفسر مبادرة واشنطن لحمل مجلس الامن الدولي على اتخاذ القرار الرقم 1373 تاريخ 29/9/2001 . فهو قرار يسهم في بناء " التحالف الدولي ضد الارهاب " على الصعيد المالي كونه يقضي بفرض عقوبات على الدول التي ترفض قطع كل دعم مادي ولوجستي عمن تعتبره اميركا شبكات ارهابية ، او ترفض التعاون في حملة مكافحة الارهاب . هل كان السفير الفرنسي جان دافيد ليفيت ، رئيس مجلس الامن وقتئذٍ ، مغاليا عندما وصف القرار بانه " صناعة للتاريخ "؟!

 

فرص الوئام

 

              عالــم جديـد غير طريـف بــدأ يتكوّن ويتمظهـر بعــد احداث 11 ايلول / سبتمبر  . فالتغيير يغزو جميع الحقول والمجالات ، ومفاعيله لا تقتصر على اميركا بل تمتد ، بشكل او بآخر ، الى جميع القارات والشعوب والدول . كل ذلك لأن نظام الولايات المتحدة المصاب نظام عالمي او معولم ، ولأن العولمة هي بالدرجة الاولى فيض اميركي ، سياسي واقتصادي وثقافي وعسكري . وعندما يصاب الرأس فإن سائر اعضاء الجسد تتأثر بالضرورة.

      

لعل ابرز ظاهرات التغيير تلك التي اصابت السياسة ، بابعادها جميعا .

       قبل 11 ايلول / سبتمبر كانت السياسة ، علىالعموم ، معنية بالسلطة وبالقوى المتنافسة على امتلاكها وبالمصالح التي تلعب دوراً في هذا كله . بعد 11 ايلول دخلت الثقافة ، بما هي تعبير عن اثنية ( قومية ) معينة وعن تراثها وقيمها وصبواتها وسلوكياتها ، الى صلب السياسة فكراً وممارسة.

 

       باختصار ، قبل 11 ايلول كانت السلطة غاية السياسة والمصلحة دافعها . بعد 11 ايلول اصبحت الثقافة دافعا اساسيا من دوافع السياسة ، وعاملا متداخلا وفاعلا في تكوينها وممارستها ، لدرجة يمكن الحديث معها عن نشـــؤ ظاهرة " تثقيف " السياسة .

       على الصعيد الشعبي ، تتضح ظاهرة " تثقيف " السياسة بشكل ساطع . فالبشرة السمراء ، وقسمات الوجه " الشرق اوسطية " ، والحديث بالعربية او الفارسية ، وممارسة الشعائر الدينية الاسلامية ... هذه كلها سمات وقرائن وشواهد تدل علـى " العدو " الذي بات في نظر الجمهور الاميركي متلازما مع الاسلام والمسلمين والعرب .

       العوامل المار ذكرها مقرونةً بسؤ اداء السياسة الاميركية وعدائها لحقوق الشعوب ومصالحها من جهة ، ومن جهة اخرى انفعال الجماهير المسلمة بطروحات بن لادن الدينية ، ادت كلها الى اعتبار اليهود والنصارى جميعا كتلة واحدة في مواجهة الاسلام والمسلمين . وهذا استنتاج خطير تعوزه الصحة والدقة والحصافة.

       الظاهرة الثانية نشأت وتنامت بعد احداث 11 ايلول / سبتمبر . انها ظاهرة عسكرة الحياة الانسانية ، بمعنى تقديم مطلب الامن على سائر المطالب والمتطلبات واتخاذه ذريعة لقمع الحريات العامة ، واختراق الخصوصية بالتنصت والتجسس ، والتجاوز على حقوق الانسان ، ووضع الحسابات المصرفية تحت المراقبة الدائمة ، والتسامح في استخدام العنف ضد الفئات الاجتماعية المهمشة بدعوى احتضانها جماعات ارهابية ، والتمييز العنصري    ضد امم وشعوب ، والعمل على ضبطها بالقوة المسلحة ، وفتح اسواقها بالضغط والاكراه والاغراق والقروض ذات الفوائد الباهظة ، وتطويقها باحلاف وقواعد عسكرية ، وارهابها باسلحة الدمار الشامل ، واعتبار مقاومة الشعوب للاحتلال ارهابا ، ودعم المحتل ضد المقاتلين من اجل الحرية والاستقلال.

       لعل المشهد الاميركي ، بعد 11 / ايلول سبتمبر ، خير شاهد على نتائج عسكرة الحياة الانسانية . فقد استيقظت المشاعر العنصرية دفعة واحدة واخذت تستهدف بالقتل والايذاء ، دونما تمييز ، العرب والمسلميــن وحتى الاشخاص والجماعات التي تشاركهم البشرة السمراء ، وقسمات الوجه ، والايمـــان الديني ( الاسلام ) والسلوكيات الاجتماعية المغايرة لنمط الحياة الاميركية .

       ظاهرة ثالثة بزغت بعد 11 ايلول / سبتمبر هـي ظاهرة عولمة الارهاب  والجهاد  بصرف النظر عما اذا كان الموضوع ارهابا حقيقيا او مقاومة مشروعة لعدوٍ غازٍ او لاحتلال اجنبي . الارهاب  والجهاد  لن يكونا بعد 11 ايلول ظاهرة محلية او حتى اقليمية بل سيكونا ظاهرة عالمية . قد يكون الموضوع المستهدف محليا او اقليميا ، لكن التنظيم والحركة اللازمين للاعداد والتنفيذ سيكونان عالميين.

       ثم ان الارهاب ، تخطيطاً وتنظيماً وتنفيذاً ، محكوم عليه بأن يكون معولما لأن عدوه الرئيس ، اميركا ، هو رائد العولمة ولاعبها الاكثر فعالية في التاريخ المعاصر.

       ظاهرة رابعة بزغت بعد 11 ايلول هي ظاهرة عولمة الامن المقاوم للارهاب . فاميركا ، رغم انها نظام كوني بمعايير شتى ، وجدت انها لا تستطيع مواجهة اعدائها من اهل الارهاب الحقيقي او المقاومة المشروعة الاّ ببناء ائتلاف دولي عريض القاعدة . اكثر من ذلك : طرحت اميركا على دول العالم خيارين لا ثالث لهما . فمن لا يكون معها في حربها يكون تلقائيا مع الارهاب . انها دعوة استفزازية سافرة الى قسمة العالم الى معسكرين ، معسكر الخير المعقودة رايته لقيادتها الامبراطورية ، ومعسكر الشر ايا كان قائده واعضاؤه . والمفارقة اللافتة ان اسامة بن لادن فعل الشيء نفسه في الرد  عليها ، اذا قسم العالم الى فسطاط الخير وفسطاط الشر.

       ظاهرة خامسة بزغت بعد 11 ايلول هي ظاهرة تقليص دور التفوق العسكري الامريكي في المستقبل . ذلك ان شبكات الارهاب المعاصرة تمكنت ، خاصة في تفجيرات نيويورك وواشنطن ، من تحييد اسلحة الدمار الشامل التقليدية، كالقنبلة النووية والصواريخ عابرة القارات وغيرها ، باعتماد تقنيات واسلحة مغايرة شديدة الفعالية . ففي نيويورك ، كما في واشنطن ، تبيّن ان في مقدور الارهابيين تحويل طائرات مدينة بمخزون كبير من البنزين الىاسلحة تدمير بالغة الفعالية والتأثير المادي والمعنوي. كذلك اصبح في امكان "الارهابيين " ، على ما يبدو ، صنع واستخدام اسلحة بيولوجية وكيماوية لها قدرة تدميرية هائلة . كل ذلك يحد من مكانة اميركا وفعالية تفوقها العسكري والتكنولوجي ويضعف دورها السياسي في مجتمع الامم ازاء " منافسين " فاعلين من الشبكات الارهابية والجهادية .

       ما كانت هذه الظاهرات لتنشأ وتتطور لو ان اميركا اعادت النظر بسياستها حيال العرب والمسلمين ، لا سيما ما يتعلق منها بقضاياهم الرئيسة وهي :

      

اولا ، استخدام الدين وبعض التنظيمات وحتى الدول الاسلامية ادوات مبرمجة لتحقيق اغراض سياسية واقتصادية واجتماعية .وكذلك دعم الانظمة الاسلامية المعادية للديمقراطية وحقوق الانسان .

ثانيا ، تبني اسرائيل ، سياسيا واقتصاديا وعسكريا ، ودعم سياستها الاستيطانية الاقتلاعية ضد شعب فلسطين ، وتأييد عملياتها الوحشية في مواجهة الانتفاضة المدنية ومن ثم المقاومة المسلحة .

ثالثا ، محاصرة العراق وفرض عقوبات جائرة عليه والتخطيط لضربه مجددا بدعوى امتلاكه أسلحة  دمار شامل الامر الذي قد يؤدي الى تمزيق وحدته السياسية والجغرافية.

رابعا ، التهديد بـ " تأديب " ايران بدعوى دعمها للارهاب ومباشرتها برنامجا لتصنيـع الاسلحة النووية ، وتهديد دول اخرى ( سوريا ، لبنان ، اليمن ، السودان ، الصومال ) بتدابير رادعة لتهاونها في قمع المنظمات " الارهابية " او لدعمها منظمات المقاومة ضد اسرائيل .

       ان مثابرة اميركا على انتهاج سياسات معادية للعرب والمسلمين في هذه القضايا الرئيسة ستؤدي الى تضييق فرص الحوار والوئام ، وربما تفضي الى مزيد من التوتر والجفاء والصدام.

       لقد استفتت صحيفة " انترناشيونال هيرالد تريبيون (20/12/2001 ) بالتعاون مع احد مراكز الابحاث الاميركية /275/ من قادة الرأي وصناعة القرار النافذين في ميادين السياسة ، والاقتصاد والاعمال ، والثقافة ، والحكم بينهم /40/ من الولايات المتحدة و/235/ في /23/ دولة اخرى فجاءت النتائج مؤيدة لضرورة اعادة النظر في بعض السياسات والمواقف من القضايا الرئيسة علىالنحو الآتي :

-                               اعتراف /70/ في المئة من قادة الرأي الاميركيين بان تأييد اميركا لاسرائيل هو سبب رئيس للكراهية التي يكنّها بعض الناس في الولايات المتحدة نفسها لبلادهم .

-                               ايّد /35/ في المئة من قادة الرأي الاميركيين الفكرة القائلة ان اميركا تبدو مفرطة في تأييدها لاسرائيل ، في حين ايّد الفكرة /68/ في المئة من قادة الرأي الاوروبيين الغربيين ، و /90/ في المئة من المسلمين عامة .

-                               اعترف /43/ في المئة من قادة الرأي الاميركيين بان سياسات بلادهم اسهمت في توسيع الفجوة بين الاغنياء والفقراء في العالم ، وهي بالتالي سبب رئيس للكراهية التي يكنّها بعض الناس في اميركا نفسها لبلادهم .

-                               اعترف/88/ في المئة من قادة الرأي الاميركيين ان جبروت بلادهم في العالم هي سبب رئيس ايضا للكراهية التي يكنها بعض الناس في اميركا نفسها لبلادهم.

لقد تعززت نتائج استفتاء " هيرالد تريبيون " لاحقا بالرسالة ، المشار اليها آنفا ، التي وقعها اكثر من /60/ من الاكاديميين وكبار المثقفين والكتاب الاميركيين وتضمنت اعترافا بان بلادهم " تصرفـت بغطرسة تجاه المجتمعات الاخرى ، وفي بعض الاوقات اعتمد قادتنا سياسات غير رشيدة وغير عادلة ..." . ومع ذلك كله لم تفعل ادارة بوش شيئا لمعالجة محاور الصدام بين اميركا والمسلمين او لمباشرة حوار مع حكوماتهم وقادة الرأي في شعوبهم من اجل استكشاف سبل اعادة النظر بسياساتها " غير الرشيدة وغير العادلة ".

       حيال ضيق فرص الحوار والوئام واستمرار مشكلة علاقة اميركا بالمسلمين ، يقتضي ان يبادر العرب والمسلمون انفسهم الىاعادة النظر بمواقفهم من اميركا وسياساتها تجاه قضاياهم على نحوٍ يؤدي الى تفعيل التضامن والعمل المشترك في ما بينهم  لتعزيز مركزهم التفاوضي ، وانماء قدراتهم الذاتية ، وحماية امنهم القومي ومصالحهم العليا.

غير انه لا سبيل الى توليد اي فعل محرك او انتظار اي نتائج ايجابية من اي قمة عربية او اسلامية ما لم تترسخ قبلها اربع قناعات اساسية  في اذهان القيادات:

-                               ان اميركا جادة في سياستها الرامية الى اعادة صياغة موازين القوى والمصالح في منطقة الوسط الاسلامي الممتدة من دول آسيا الوسطى شمالا الىالصومال جنوبا ، ومن ماليزيا شرقا الى موريتانيا غربا ، وان ذلك كله يجري تحت ذريعة مكافحة الارهاب ، ويتم على حساب مصالحنا الوطنية بالدرجة الاولى .

-                               ان معظم الدول العربية والاسلامية ستطولها سياسة اميركا الهجومية ، لا سيما العراق ومصر وسوريا ولبنان والسعودية وايران وباكستان ناهيك عن فلسطين المحتلة ، وان اميركا لن تتورع في هذا السياق عن تقويض بعض النظم السياسية في دول عربية  واسلامية حليفة وصديقة لها والاستعاضة عن حكامها الحاليين بآخرين يلائمون عصر الامركة ومتطلباته السياسية والاقتصادية والامنية .

-                               ان الدول العربية والاسلامية تملك امكانات واوراقاً بالغة الاهمية والتأثير اذا ما استخدمت في الصراع شريطة توليد ارادة سياسية للتخطيط الحكيم والفعل الشجاع ، وان في مقدورها تاليا تعطيل مخططات اميركا ومكائد اسرائيل. ومن هذه الاوراق استخدام سلاح النفط ، واقامة تفاهم استراتيجي بين سوريا والعراق وايران بالتعاون مع منظمات المقاومة في فلسطين ولبنان.

-                               ان تقسيم العراق وهزيمة الانتفاضة سيحولان اسرائيل قوةً مركزية كبرى في المنطقة ، ويهددان بشكل خطير مصالح مصر والسعودية وايران ، ويضعفان سوريا ولبنـان ، وقد يتسببان في تقسيمهما – في ما يشبه العدوى - الى جمهوريات موز طائفية هزيلة وهزلية.

من هنا فان مواجهة سياسة اميركا الهجومية لا تكون بمجاملتها والرضوخ لاملاءاتها والاندراج في مخططاتها بل بتحقيق اقصى درجات التضامن العربي والاسلامي ، وبالرهان على ميزان الارادات الثورية ، بدلاً من ميزان القوى العسكرية ، لكسر ارادة العدو وحمله على التراجع .

 وليس افضل للرد على الابتزاز والتهديد من ممارسة ضغط وتهديد مماثلين كأن تعلن الدول العربية جميعا ،  لا سيما مصر والسعودية وسوريا ، رفضها القاطع قيام اميركا بضرب اي دولة عربية لاي سبب كان تحت طائلة الوقوف الى جانب الدولة المعتدى عليها ودعمها بكل الوسائل المتاحة ، بل بكسر القيود ايضا التي طالما منعت مشاركة الشعوب العربية والاسلامية في حروب الجهاد ضد الاستعمار الصهيوني والهيمنة الاميركية .

اجل ، ان سياسة القمع التي يمارسها معظم الحكومات العربية ، وقبضاتهـا الحديدية المشرعة في وجه الاحرار والمجاهدين ، هي التي ضمنت ، لغاية الوقت الحاضر ، لجم الشعوب عن المشاركة الفعلية في حروب الجهاد . لذا فان اصرار اميركا على تحميل العرب والمسلمين مسؤولية ما جنته هي على نفسها بسبب سياساتها الظالمة وانحيازها الاعمى للكيان الصهيوني يستوجب ، بالمقابل ، رداً جدياً ومؤثراً ليس اقله اطلاق يد الشعوب والقوى الحية في الامة من اجل الانتصار لكرامتها والدفاع عن حريتها وحقوقها ومصالحها والتصدي بكل الوسائل المتاحة لاعدائها التاريخيين .

موقف جاد وجدي كهذا كفيل بردع اميركا عن التفكير بممارسة سياسة الاستهانة بالعرب والمسلمين واستباحة حقوقهم ومصالحهم والامعان في تسليط اسرائيل عليهم للتحكم بقضايا حاضرهم ومستقبلهم.

هل من سبيل آخر ؟