مداخلة قدمت في اطار
المؤتمر الوطني الثقافي
حول موضوع
حقيقة الاختيارات ما
بين 1919 – 1975"
المنعقد في بيروت
بتاريخ 25
ايار / مايو 2001
لبنان بلد
المفارقات والخصوصيات . لعل ابرز مفارقاته ان نظامه سابق لكيانه في التاريخ
المعاصر. فالنظام اللبناني ، بما هو مجموعة السلطات والمؤسسات التي تتوزع فيما
بينها آلية التقرير السياسي وتتقاسم النفوذ والمغانم ، سبق الكيان في ظهوره . ذلك
لأن الكيان ، بما هو الاطار المادي والقانوني الذي يحتضن مجتمعا يعيش افراده وجماعاته حياة مشتركة ،
ويواجهون تحديات مشتركة ، ويتجهون الى مصير مشترك ، ظاهرة يفتقدها الباحث في
التاريخ القديم والوسيط ، ولا يعثرعلى تجسيد ثابت لها في حيز جغرافي قبل
1920 . اما النظـام ، بالمعنى الانف الذكر ، فقد ظهر في عهد المعنيين ومد سيطرته ،
في مدّ وجزر ، على معظم المناطق التي تتشكل منها حاليا الجمهورية اللبنانية
وتجاوزها الى شمال فلسطين ووسط سوريا .
في الواقع كان النظام
اللبناني ثمرة تزاوج عوامل ثلاثة : النظام الملّي العثماني ، والنظام الاقطاعي
الفرنجي ( الصليبي ) والرقعة الجغرافية اللبنانية التي احتضنت طوائف وجماعات تأثرت
بأحد هذين النظامين او بكليهما . اما الكيان اللبناني فقد ظهر وتبلور على ايدي
الفرنسيين باعلان دولة لبنان الكبير في الاول من ايلول 1920، ولم يكتسب شرعية
وطنية الاّ بعد توصل القيادات السياسية الاسلامية ، في شخص رياض الصلح ، والقيادات
السياسية المسيحية ، في شخص بشارة الخوري ، الى تسوية على الاساس الآتي : يتخلى
المسلمون عن طلب الوحدة العربية في مقابل تخلي المسيحيين عن طلب الضمانة الاجنبية
لاستقلال لبنان .
-2-
وقد اطلق الفريقان على
هذه التسوية مصطلح " الميثاق الوطني " الذي لخصه رياض الصلح في
بيانه الوزاري الشهير العام 1943 بقوله : " ان اخواننا في الاقطار العربية لا
يريدون للبنان الاّ ما يريده ابناؤه الاباة الوطنيون . فنحن لا نريده للاستعمار
مستقرا ، وهم لا يريدونه للاستعمار اليهم ممرا . فنحن وهم ، اذن ، نريده وطنا
عزيزا مستقلا سيداً حراً. (1)
بانعقاد "
الميثاق الوطني " بين المسيحيين والمسلمين تلازم الكيان والنظام
اللبنانيين حتى حدود التطابق والتلاحم . فلا كيان ، بمعنى وطن ، بمعزل عن النظام
الطوائفي القائم . ولا نظام ، بمعنى دولة ، بمعزل عن الكيان المتمايز عن محيطه
القومي والمستقل عن الغرب الاستعماري.
غير ان هذه
التسوية التي انطبعت بخصوصية سياسية واجتماعية بالغة الحساسية انطوت على حقائق
ودوافع ومصالح وممــارسات حرص اركــان " النظام – الكيان " واللاعبون في
ساحته علىاخفائها اوالسكوت عنها بشتى وسائل التغليف والتمويه والتكاذب المشترك .
ومع ذلك كانت تُكشف او تتـكشف ، بشكل او بآخر ، في حومة التنافس الشديد علىالمناصب
والمنافع والمغانم ، او في حمأة الصراعات الاقليمية والدولية على المصالح والاسواق
ومناطق النفوذ.
في هذه
الورقة نعالج ، باقتضاب ، ابرز الحقائق والدوافع والمصالح التي حرص اللاعبون ، على
السكوت عنها ، كليا او جزئيا ، طيلة الحقبة الممتدة من العام 1919 الى العام 1975
، وهي المدة التي حددها منظمو المؤتمر الوطني الثقافي لاتحاد الكتاب اللبنانيين
للباحثين ليتناولوها بالدرس والمعالجة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1
) للتوسع في
مسألة الكيان والنظام ، راجع بحثنا : " الكيان والنظام مشكلة علاقة
" ، المنشور في مجلة " دراسات عربية " العدد 6 نيسان (
ابريل ) 1969.
-3-
على هذا
الاساس سنركز الدراسة على محاور ثلاثة : دور القوى الخارجية والمتعاملين معها ،
نواقص الدستور وعيوب الممارسة ، وظاهرة الفساد في الدولة والمجتمع.
للخارج
دور فاعل في الداخل مذ ظهور النظام اللبناني في عهد المعنيين . فالامير فخر الدين
الثاني المعني كان له اتصالات ومبادلات مع امير توسكانا ( ايطاليا ) قبل ان يذهب
اليه فازعا من نقمة السلطنة العثمانية وليمكث لديه فترة من الزمن . والدول
الاوروبية كانت تتنافس لاقامة نقاط رسو ومواطىء اقدام لها في مناطق السلطنة ، لا
سيما في جبل لبنان وولاية بيروت ، سحابة القرن التاسع عشر . والامير بشير الثاني
الشهابي تحالف مع محمد علي باشا والي مصر في مواجهة السلطة العثمانية المتقهقرة .
بلغ التدخل
الاوروبي اولى ذراه البارزة في اعقاب فتنة 1860 . ففي 1861 تمكنت بريطانيا وفرنسا
والنمسا وروسيا وبروسيا من فرض برتوكول متصرفية جبل لبنان للعام 1861 علىالسلطنة
العثمانية . ثم جرى الاتفاق على تعديله في العام 1864 ، وبقي ساري المفعول ، تحت
رقابة هذه الدول ، لغاية اندلاع الحرب العاليمة الاولى في العام 1914.
في هذه
الحقبة الممتدة لغاية اندحار السلطنة العثمانية العام 1918 افرزت الاحداث ثلاث
حقائق جرى السكوت عنها ، او عن بعض نتائجها ومضاعفاتها . الحقيقة الاولى ، استشراء
العصبيات الطائفية بصورة لا سابق لها وتحوّلها خاصية مجتمعية راسخة ستلعب دوراً
بالغ التأثير في جميع المراحل اللاحقة .
-4-
الحقيقة الثانية ، تعاظم تدخلات دول اوروبا ونفوذها عبر
قناصلها في متصرفية جبل لبنان وولايتي بيروت ودمشق واقترانها بانزال قوة فرنسية من
سبعة الاف رجل ، بقيادة الجنرال دي بوفور دوتبول ، في بيروت .
خيمت هذه القوة ، بادىء الامر ، في حرج
الصنوبر بضاحية بيروت ، وتحركت لاحقاً لاحتلال منطقة الشوف . ثم ما لبثت قيادتها
ان استغلت وجودها في لبنان لمباشرة مهام استراتيجية ربما كان ابرزها مسح الاراضي
اللبنانية ووضع خرائط لما يمكن ان تكون عليه الرقعة الجغرافية لدولة لبنان البازغة بعد وفاة " رجل اوروبا
" المريض " واقتسام تركته .
وبالفعل ،
جرى اعتماد هذه الخرائط لاحقاً في " مؤتمر السلام " في باريس العام 1919
كاساس لتوسيع المتصرفية الىالحدود المقررة لدولة لبنان الكبير التي اعلنها المفوض
السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو في اول ايلول 1920.
الحقيقة
الثالثة ، تفاهم بريطانيا وفرنسا من خلال اتفاق سايكس – بيكــو ( نيسان – ايار
1916 ) علىاقتسام الميراث العثماني في المشرق العربي بحيث يكون لفرنسا النفوذ
والوصاية في لبنان وسوريا ، ولبريطانيا في فلسطين وشرق الاردن والعراق ، وهو اتفاق
انتج لاحقاً تقسيم بلاد الشام الى خمس دول ( لبنان الكبير ودمشق وحلب وبلاد
العلويين وجبل الدروز ) واطلاق وعد
بلفور 1917 بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، وتولية الامير فيصل بن الحسين ملكا
علىالعراق ، واخيه عبدالله بن الحسين اميرا على شرق الاردن.
هذه الحقائق
الثلاث ، بدءا بنزول القوة الفرنسية في بيروت والتوصل الىاقامة متصرفية جبل لبنان
في العام 1861 برعاية الدول الاوروبية ، كشفـت
-
5 -
بمرور الزمن دوراً
بارزاً للقوى الخارجية في لبنان وسائر انحاء المشرق ، كان من شأنه انتاج وقائع
ودوافع ومصالح متعددة علىالنحو الآتي :
( آ )
ترسيخ الطائفية
توسل
القناصل الاوروبيون ، كما الولاة العثمانيون ، بالطائفية سلاحا سياسيا الامر الذي
ادى الىتمزيق نسيج المجتمع الاهلي وتعطيل العيش المشترك بين مختلف الجماعات
المذهبية في جبل لبنان ومدن الساحل اللبناني . وانسحب هذا التشرذم على تركيبة مجلس
ادارة المتصرفية الذي قسمت مقاعده حصصا على الطوائف المتواجدة في نطاقه . وقد
إمتدت حال الصراع بين بريطانيا وفرنسا وتعقدت وتركت اصداء لها في عواصم اوروبا
لدرجة حملت يوسف بك كرم ، بطل عصيان شمال لبنان ضد المتصرف العثماني الاول داود
باشا ، على كتابة رسالة الىالبطريرك بولس مسعد يقول فيها :
" لقد اصبحت
امورنا في هذه الايام تابعـة لانكلترا
وفرنسا . واذا ضرب احدهم رفيقه تصير
المسألـة
انكليزية فرنسوية . وربما قامت انكلترا
وفرنسا من
اجل فنجان قهوة يهرق
علىالارض"! (2)
هذه العصبية
الطائفية سيكون لها دور مؤثر لاحقا في عهدي الانتداب والاستقلال.
(ب)
التعامل مع الاجنبي
تذوق بعض
اللبنانيين " حلاوة " التعامل مع الاجنبي مذ نزلت القوة الفرنسية في
بيروت العام 1860 ومدت وجودها الى منطقة الشوف واخذت تستعين بافراد من جميع
الطوائف لانجاز مهامها . ولم يتأخر البريطانيون في مدّ خيوطهم ايضا في جميع
الاتجاهات . وهكذا نمت وترعرعت في عهد المتصرفية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) يوسف مزهر ، "
تاريخ لبنان العام " ( بيروت ، مجهول التاريخ ) جزء 1 صفحة 604
-6-
تقاليد جديدة قوامها
التعامل مع الاجنبي لـِ " حماية " الذات او توفير النفوذ او استدرار
الاموال والمغانم. وبعد اندلاع الحرب العالمية الاولى ، احتلت البحرية الفرنسية
جزيرة ارواد الساحلية واتخذت منها قاعدة لنشاطها الاستخباراتي على طول الساحل
اللبناني والسوري ومنطلقا لتجنيد العملاء من وجهاء طوائف ورهبان ومشايخ . ولا عجب
ان اصبح قائدها الكابتن ترابو لاحقاً اول حاكم لدولة لبنان الكبير من 1920 لغاية
1923(3).
هذه
التقاليد النامية في التعامل مع الاجنبي سيكون لها دور وشأن لاحقان في عهدي
الانتداب والاستقلال.
( جـ)
بلقنة المشرق العربي
بتنفيذ
اتفاق سايكس – بيكو ، من خلال مؤتمر باريس والمؤتمرات الدولية اللاحقة ، كرست
بريطانيا وفرنسا بلقنة المشرق العربي وتحطيم وحدته التاريخية في ظل السلطنة
العثمانية لمدة تزيد عن اربعة قرون ، وقبلها في ظل الخلافة الاموية فالعباسية
فالفاطمية فالمماليك مدة تناهز الالف سنة . ولعل اخطر شرور التحطيم كان تقسيم بلاد
الشام الى دول عدة . فوعد بلفور ارهص بوطن قومي وبالتالي بدولة لليهود في فلسطين ،
وسياسة فرنسا في ظل الانتداب استهدفت وحدة المجتمع وهويته القومية باقامة كيانات
على اساس مذهبي . واذْ عجزت عن ادامة هذه الشرذمة في سوريا ، فإنها نجحت في
الترويج لها في لبنان . ذلك انها اعلنت بلسان روبير كولوندر ، رئيس البعثة
السياسية الفرنسية في بيروت غداة انتهاء الحرب العالمية الاولى ، ان مجيئها الى
لبنان هو لحماية اصدقائها الموارنة وضمان مصالحهم .(4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(3) اسكندر رياشي ، رؤساء لبنان
كما عرفتهم " ( بيروت ، المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر
،1961) صفحة 11-15
(4) كمال سليمان صليبي ، تاريخ
لبنان الحديث ( بيروت ، دار النهار للنشر ، 1967) صفحة 204 – 205)-7-
لم ترضخ
القوى الوطنية لمخططات الشرذمة والتقسيم الانكلو - فرنسية بل قاومتها بضراوة على
الصعيديــن السياسي والكفاحي . فمن اول اجتمـاع عقده " المؤتمر السوري
العام " في 7/3/1920 الى " مؤتمـر الساحل والاقضية الاربعـة " في
10/3/1936 ، مروراً بالمؤتمرات والاجتماعات الاخرى التي عقدتها القوى والشخصيات
الوطنية والبيانات التي صدرت عنها في بيروت ودمشق ومدن الساحل اللبناني ،
والتظاهرات والاضرابات التي اقترنت بها عقديَ العشرينات والثلاثينات ، سجل حافل
بمقاومة سياسية وكفاحية منهجية لسلطة الانتداب الفرنسي ومخططاتها التقسيمية. غير
ان حدثاً لافتاً وقع في هذه الفترة . فقــد وافقت الحكومة السورية برئاسة لطفي
الحفار والمدعومة من " الكتلة الوطنية " ، على معاهدة مع فرنسا في العام
1936 اخرجت فيهـا لبنان من سوريا ، معترفةً ضمنا بحدوده الراهنة . ولاحظ رياض
الصلح ورفاقه – جناح الكتلة الوطنية في لبنان – هذا التطور المستجد ، فبنوا على
الشيء مقتضاه . (5)
ومن ناحية اخرى ، فان " الثورة
السورية العامة " التي اندلعت في سوريا بقيادة سلطان باشا الاطرش ( وامتدت
الى لبنان ولاقت تأييداً في مناطق راشيا وحاصبيا وبعض انحاء الجنوب اللبناني )
عجلت في حمل سلطة الانتداب
علىالتسليم بوجوب اقرار دستور لدولة لبنان الكبير .(6)
ثانيا :
نواقص الدستور وعيوب الممارسة.
وضعت وزارة
الخارجية الفرنسية مسودة الدستور وقام مجلس النواب اللبناني بمناقشتـها واقرارها
في مدة اربعة ايام فقط ، وصدر تالياً
في 23 ايار 1926(7) . ربما لهذا السبب حفل الدستور باخطاء جمة ،
بعضها في الشكل وبعضها الآخر في المضمون . وسواء كانت هذه او تلك ، فقد جرى السكوت
عنها سحابة 75 سنة دونما سبب او مسوّغ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(5) حسان علي حلاق ، "
مؤتمر الساحل والاقضية الاربعة 1936 " ( بيروت ، الدار الجامعية
للطباعة والنشر 1983) صفحة 11 – 89.
(6) الصليبي ، المصدر
نفسه ، صفحة 208 – 210.
(7) ادمون رباط ، "
الوسيط في القانون الدستوري اللبناني " ( بيروت ، دار العلم للملايين
1970 ) صفحة 330 – 368.
-
8 -
( آ )
اخطاء في الشكل والصياغة
- يتسم نص
الدستور للعام 1926 بصياغة ركيكة للغاية ربما ناجمة عن ترجمة غير دقيقة للاصل
الفرنسي . فالمادة 4 تنص على ان " لبنان الكبير جمهورية عاصمته
بيروت " . الحقيقة انه ليس من حاجة للاحتفاظ بتعبير " لبنان الكبير
" بعد ان جرى تضمين المادة 101 نصا بانه اعتبارا من اول ايلول 1926 تدعى دولة
لبنان الكبير الجمهورية اللبنانية .
- تتضمن
المادة 9 عبارة ..." وهي تضمن للاهلين علىاختلاف مللهم احترام نظام
الاحوال الشخصية والمصالح الدينينة " . ان كلمة " الاهلين " غير
دقيقة ، والاصح استعمال كلمة " المواطنين ". كما ان عبارة " نظام
الاحوال الشخصية والمصالح الدينية " ، غير دقيقـة ايضا وتحتمل معانٍ عدة .
فهل النظام المشار اليه هو نظـام وضعي ام نظام كل من الطوائف المعترف بها ؟ ثم ما
هوالمقصود بالمصالح الدينية ؟ هل المقصود المصالح المتعلقة بكل طائفة من الطوائف
ام ان المقصود المؤسسات والاماكن الدينية بصورة عامة.
- تنص المادة
21 على ان " لكل وطني لبنان بلغ من العمر احدى وعشرين سنة كاملة حق في
ان يكون ناخباً "... الخ . الاصح ان يقال : "لكل مواطن لبناني ...
" الخ.
- وردت عبارة "
عمدة المجلس " في المادة 37 ، والاصح ان يقال "مكتب المجلس
" او " رئاسة المجلس ".
- 9 -
- وردت عبارة
" كل اقتراح قانوني " في المادة 38 ، والاصح ان يقال
" كل اقتراح قانون ."
- وردت في
المادة 41 عبارة " ولا تتجــاوز نيابة العضو الجديد اجل نيابة
العضو القديم " ، والاصح ان
يقال " مـدة نيابة العضو القديم " وليس اجله. كما ورد في نص المادة
ذاتها عبارة " قبل انتهاء عهد
نيابته " ، والاصح ان يقال " مدة نيابته " .
- في المادة
47 وردت عبارة " لا يجوز تقديم العرائض الى المجلس الاّ خطا..."
، والاصح ان يقال " الاّ خطيا " .
- تضمنت
المواد 83 و 84و85و86و87 استعمـالات مختلفة للمصطلح نفسه ، مرة بصيغة " موازنة
" ، ومرة بصيغة " ميزانية " ومرة ثالثة بصيغة
" مشروع موازنة " . والاصح اعتماد مصطلحي موازنة ومشروع
موازنة حسب المعنى المقصود .
- تضّمن عنوان
الباب السادس عبارة " احكام نهائية مؤقتة " وهو تعبير
ملتبس لأن كلمة " نهائي " لا تأتلف مع كلمة "
مؤقت " ، علما ان احكام المواد 95 و101 و 102 التي ما زالت سارية
المفعول لا تفيد معنى ان تكون مؤقتة. ولعل العبارة الادق هي " احكام
خاصة " .
ختاما ،
يبدو غريبا ان تتاح الفرصة امام المشترع مرات عدة لتعديل الدستور بدءا من العام
1927 وان يسكت ، رغم ذلك ، عن
تنقيـح المواد السالفة الذكر ، خصوصا ما يتعلق منها بالاخطاء الشكلية .
(ب) نواقص
في المضمون
- وردت في
الفقرة " ط " من مقدمة الدستور عبارة " لا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين
". ان كلمة " توطين " جاءت بصيغة مطلقة من دون توصيف او تفصيل
الامر الذي يثير الالتباس مع مفهوم التجنيس .
والاصح توضيح
-10 -
المفهوم
بالقول : " ولا توطين للاجئين الفلسطينيين تمسكا بحقهم المقدس بالعودة الى
وطنهم فلسطين ".
- وردت في
الفقرة " ي" من مقدمة الدستــور عبارة " ميثاق العيش المشترك
" ، في حيـن لا وجود لميثاق وضعي بهذا الاسم . الاصح ان يقال : " لا
شرعية لاي سلطة تناقض اولوية العيش المشترك الذي لا بقاء للبنان من دونه . "
- كانت السلطة
الاجرائية منوطة ، لغاية 21/9/1990 ، برئيس الجمهورية ( المادة 17) الامر الذي ادى
الى نشؤ مشكلتين : الاولى ، طغيــــان
السلطة الاجرائية ( التنفيذية ) على السلطة الاشتراعية . والثانية اندلاع
توتر طائفي سببه تماهي رئاسة الجمهورية مع الطائفة المارونية مما استثار اعتراض
السياسيين السنّة والشيعة بدعوى عدم وجود تكافؤ في الصلاحيات والنفوذ بين رئاسة
الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس النواب.
- انعدام مبدأ
الفصل بين السلطات وتوازنها بسبب وجود نص دستوري يولي رئيس الجمهورية صلاحية اتخاذ
قرار معلل بموافقة مجلس الوزراء بحل مجلس النواب قبل انتهاء ولايته ( المادة 55
القديمة ).
- تجويف مبدأ
استقلال القضاء باخضاع السلطة القضائية ( المادة 20) للسلطة الاجرائية من طريق
قوانين وضعية ( قانون القضاء العدلي المعدل بالمرسوم الاشتراعي الرقم 22 تاريخ
23/3/1985) متعلقة بتشكيلات القضاة وتعيينهم ونقلهم . ولمعالجة هذا النقص ، يقتضي
تعديل نص المادة 20 بتوسيعه ليتضمن احكاماً اساسية واضحة حول استقلال السلطة
القضائية وتأكيد نديتها حيال السلطتين الاشتراعية والاجرائية ، اضافة الى احكام
تشير الى ضمان هذا الاستقلال من طريق قانون وضعي يتعلق بانتخاب لا اقل من ثلثي
أعضاء المجلس الاعلى للقضاء من قبل القضاة أنفسهم.(8)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(8) لمزيد من الايضاحات
راجع : عصام نعمان ،" اي دور للسلطة القضائية ؟ " ، دراسة
منشورة في مجلد : القضاء الاداري اللبناني ، تأليف مجموعة من
القانونيين .( بيروت ، المركز اللبناني للدراسات 1999 ) صفحة 110 - 129
- 11 -
- تعطيل
القضاء السياسي المتمثل بالمجلس الاعلى ( لمحاكمة الرؤساء والوزراء ) المنصوص عليه
في المادة 80 بالسكوت عن اصدار قانون اصول المحاكمات لديه مدة تزيد عن 64 عاماً.
وكان من شأن ذلك توفير مزيد من اسباب القوة والنفوذ لاعضاء السلطة الاجرائية
تجعلهم بمنأى عن المحاسبة . فلا غرو ان يزداد الفساد ويتأصل نتيجة ذلك كله .
-
مخالفة احكام المادة 95 ( قبل تعديلها) من
الدستور التي كانت تقضي بحصر تمثيل الطوائف بصورة عادلة في
الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة، وليس مجلس النواب ، وذلك باخضـاع قوانين انتخاب
اعضاء المجالس النيابية المتعاقبة لمحاصصة طائفية . مع العلم ان المادة 95 ذاتها
تتناقض مع المادة 7 التي تكرس مساواة اللبنانيين امام القانون ، كما تتناقض مع
المادة 12 التي تعطي كل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة بلا ادنى ميزة لاحد
على الآخر الاّ من حيث الاستحقاق والجدارة . وقد جرىالسكوت عن المخالفات المرتكبة
على صعيدي قوانين الانتخاب وانظمة الموظفين مدة 75 عاماً دونما توقف وبمنأى عن اي
محاولة اصلاحية ولو خجولة لتلطيف المخالفات الفاجرة في هذا المجال.
- تحجيم شرعية
الدولة اوالنظام السياسي باصدار قوانين مخالفة للدستور ، والامتناع عن تطوير
الممارسة الدستورية والسياسية بانشاء محكمة او مجلس لمراقبة دستورية القوانين (
حتى العام 1990) او اعتماد مبدأ الاستفتاء العام المتحرر من القيد الطائفي من اجل
استلهام ارادة الشعب والاستناد اليها في عملية تصويب الاداء والاصلاح السياسي
بصورة عامة.
( ج )
انحراف في الممارسة
اتسمت
ممارسة المسؤولين المتعاقبين على السلطـة بانحراف منهجي عن الشرعيــة . تبـــدىّ
هذا الانحراف اكثـــر ما يكــون فـــــي " تطييف " المؤسســـات علــى
نحــــو مخــالف لاحكام الدستور والقوانيـــن النافذة بل بصــورة منافية للمصلحة
العامة .
-12-
فقد سعت
طبقة السياسيين المحترفين الى تعزيز الطائفية وتكريسها ، والتوسل بها لاحـراز
مكاسب سياسية ومادية ، واعتمادها اداة للتغطية والحماية . وانها لمفارقة جديرة
بالتسجيل ان عهد الاستقلال هو الذي كرس الانفصال المجتمعي التام بين طوائف لبنان
باقراره قانون 24 شباط 1948 الخاص بالاحوال الشخصية للطائفة الدرزية ، وقانون 2
نيسان 1951 الخاص بتحديد صلاحيات المراجع المذهبية للطوائف المسيحية والطائفة
الاسرائيلية(9).
والجدير بالذكر ان المادة 33 من قانون 2
نيسان 1951 كانت اجازت للطوائف المشمولة باحكامه ان تقدم للحكومة قانون احوالها
الشخصية وقانون اصول المحاكمات لدى محاكمها الروحية في مدة سنة من تاريخ وضع هذا
القانون موضع التنفيذ للاعتراف بها خلال ستة اشهر . وقد تقدمت الطوائف المعنية
بمشاريع قوانينها في المهلة المحددة الاّ ان الحكومة لم تعترف بهذه القوانين
رسمياً لغاية الوقت الحاضر . غير ان اجتهاد محكمة التمييز اعتبر انه يكفي ان تكون
هذه الطوائف قد قدمت قوانينها الى الحكومة لتقوم المحاكم بتطبيقها حتى وان لم تنشر
ولم يعترف بها بصورة قانونية (10) . معنى ذلك ان الدولة
تخلت عن حق التشريع للطوائف المعنية نفسها التي مارست هذا " الحق " بشكل
واسع ضمن لها الاستقلال التام في شؤونها الدينية والزمنية عن سلطة الدولة
وقوانينها المدنية .
وتمشياً على
سياسة تعزيز استقلال الكيانات الطائفية داخل النظام السياسي ، صدر المرسوم
الاشتراعي الرقم 18 تاريخ 13 كانون الثاني 1955 المعدل بتاريخ 2 اذار 1967 القاضي
بمنح المسلمين السنّة استقلالا تاماً في شؤونهم الدينيــة واوقافهــم الخيريــة يتولون تشريع
انظمتهــا وادارتها بانفسهم ، ويكون مفتيهـــم الرئيس الدينــي للمسلمين
وممثلهــم لـدى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(9) "
مجموعة القوانين اللبنانية " ، فقرة احوال شخصية ، صفحة د1 – د 7
(10) المصدر
نفسه .
-13-
السلطات العامة(11). وفــي
السياق ذاته وللغاية نفسها تقريباً صدر القانون الرقم 72/67 تاريخ 10 كانون الاول
1967 القاضي بانشاء المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وباستقلال المسلمين الشيعة
بادارة شؤونهم الدينية واوقافهم الخيرية (12).
هكذا
تخلت الدولة عن سلطتها الدستورية التي تولي مجلس
النواب ، بموجب المادة 16 من الدستور ، حق التشريع على وجه حصري دون سائر السلطات
والهيئات والطوائف . وهي مخالفة دستورية فاضحة تجري ممارستها يومياً ، بشكل او
بآخر ، بل بامعان وعن سابق تصور وتصميم وسط سكوت عام عن طبيعتها ومفاهيمها.
الفساد في لبنان ظاهرة قديمة
، متأصلة في تراثه السياسي ، متجذرة في سلوك حكامه والموظفين ، وشائعة في صفوف
الناس ، لا سيما اولئك الذين لهم مصالح ومعاملات مع الادارات والمؤسسات العامة .
قيل ان لبنان اكثر البلدان
فساداً بعد اندونيسيا . لكن اندونيسيا انتفضت علىالرئيس السابق سوهارتو بسبب فساده
واقصته عن منصبه . ثم فعلت الامر نفسه مع خلفه عبد الرحمن وحيد . اما في لبنان –
حيث الفساد طريقة حياة – لم يحدث قط منذ اعلان دولة لبنان الكبير ، ان حوكم رئيس
او وزير او نائب او موظف مسؤول بتهمة الفساد وصرف النفوذ . واذا كان عهد الرئيس
شارل حلو ( 1964 – 1970 ) نجح في اقصاء مجموعة من كبار الموظفين من دون محاكمة فان
المجتمع – الضالع افراده ومؤسساته في الفساد ايضا – رد الاعتبار لبعض من هؤلاء
بانتخابهم نوابا !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11) "مجموعةالتشريع
اللبناني " ، فقرة " محاكم شرعية " ، صفحة 31
(12) المصدر نفسه ، فقرة
" احوال شخصية " ،
صفحة 53.
-14-
لعل تاريخ لبنان الحقيقي هو ذلك الذي
كتبه اسكندر الرياشي ، الصحافي الاشهر الذي عمل مع سلطات الانتداب الفرنسي كموظف
ومستشار وداعية . صحيح ان الرجل كتب مذكراته بكل شفافية ولم يقصد ان يكتب تاريخا
لبلده . لكن محصلـة مجهوده الرائع
كانت تسجيلاً حقيقياً شفافا لتاريخ لبنان المعاصر ، خلال الانتداب الفرنسي
وبعده ، مروراً بممارسات حكامه ونوابه وتجاره وكتابه وصحافييه ، اضافة الى سلوك
ابنائه – ليس كلهم بالطبع - الذين
مارسوا الفساد وكأنه فعلاً طريقة حياة (13).
ليس
من شك في ان استشراء ظاهرة الفساد في لبنان سبب رئيس لغياب المساءلة والمحاسبة
وتعثر الاصلاح السياسي والاداري ، ذلك لأن الثواب والعقاب هو جوهر مفهوم الحكم .
فلا حكم صحيحا وفاعلا ومتطوراً وهادفاً ، من دون وجود منظومة عامة ، سياسية
وقانونية واجتماعية ، للثواب والعقاب.
العقاب
وحده لا ينتج حكما عادلاً ، لأن الحكم يكون في هذه الحالة حكماً استبداديا .
والثواب وحده لا ينتج حكما نزيها ، لأن الحكم يكون في هذه الحالة حكم شركة محاصة
لتوزيع المغانم والاسلاب . الحكم الصحيح العادل هو حكم العقاب والثواب معا وفي آن
واحد.
ان حكم الثواب والعقاب غائب
او مغيب في لبنان . ثمة قلة من حكامٍ فاضلين انقياء ، لكن ليس ثمة حكم فاضل نزيه.
ربما لأن ما كناّ – وما زلنا فيه – تنطبق عليه قولة كليمونصو :" في هذا
المجلس وهذه الحكومة ووراءهما سياسيون كبار عند المكاسب والمغانم ، حقيرون صغار
عند الملمات والشدائد "(14).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(13 ) راجع كتب اسكندر الرياشي : "
قبل وبعد " ( بيروت ، مطابع دار الحياة ، 1953 ) و "
الايام اللبنانيـة " ( بيروت ، شركة الطبع والنشر اللبنانية ، مجهول
التاريخ ) و " رؤساء لبنان كما عرفتهم " ( بيروت ، المكتب
التجاري للطباعة والتوزيع والنشر ، 1961) .
(14) العبارة وردت في كتاب اسكندر الرياشي :
" الايام اللبنانية " ، صفحة 5
- 15-
ومن مفارقات بلد المفارقات
والخصوصيات ، السهولة التي يجري بموجبها توصيف الحكام ورجالات السياسة . ذلك لأن
المعايير غائبة تماما والمراجع والمؤسسات التي بمقدورها اجراء التقويم غائبة ايضا
او مغيبة . فلا مساءلة ولا محاسبة بل حرص على التسطيح والمجاملة .
ولعل اغرب ما يقع عليه المرء في هذا
المجال سهولة اطلاق صفــــة " الوطني " و " الوطنية " على
سياسيين وعاملين في الحقل العام ، لم تؤثر عنهم نزاهة او فضيلة . افهم ان يكون هؤلاء اذكياء ، مقتدرين ، او
حتى دهاة . لكني لا افهم مطلقا ان يكون سارق او راشٍ او مرتشٍ او فاسق او فاسد
وطنياً غيوراً وقومياً كبيراً.
ان هذه المفارقة تهون امام اخرى
بالغة القسوة . فقد يقع المرء على قلة من الحكام والسياسيين النزهاء والانقياء ،
ويتوقع ان يكون توصيفهم في المجتمع على هذا الاساس ، ليفاجأ بان النظرة اليهم
دونية والصفات التي تطلق عليهم تندرا هي من عيار " طيب القلب " ، "
معترّ " او " حمار " !
هكذا
يتضح انه
حتى الشذوذ الضيق عن قاعدة الفساد
الوسيعة ينظر اليه المجتمع باستهجان.
اذا كان من الصعب اقامة دولة
قادرة وعادلة وسط فساد دافق غامر ، هل لنا ان نعرف الاسباب الكامنة وراء هذه
الظاهرة الطاغية ؟
ارى ان وراءها اسبابا خمسة:
اول الاسباب ان العصبية الطائفية
تنطوي ، بالضرورة ، على المحاباة والتمييز وبالتالي التفاوت . بوجودها واستشرائها
تصبح المساءلة والمحاسبة معدومة بدعوى جاهزة علىالدوام هي انك لا تستطيع ان تحاسب فاسداً فـي
-16-
فئة
ما لم تحاسب امثاله في جميع الفئات . واذْ يتعذر ، غالبا ، ان ترى فاسدين في جميع
الفئات على الدرجة نفسها من الفساد في الوقت نفسه ، فان النتيجة المستخلصة تكون ،
والحالة هذه ، تفضيل الامتناع عن المحاسبة خشية التمييز في المعاملة ، على
المحاسبة مع التمييز في احقاق الحق.
ثاني
الاسباب شلل اجهزة الرقابة والمحاسبة مع تعذر عملها وسط مناخ طوائفي مترع
بالمحاباة والتمييز.
ثالث
الاسباب انحراف في القيم والاخلاق العامة . ولا شك في ان للضائقة المعيشية والفقر
والبؤس دوراً في تجويف القيم والاخلاق يصبح معه المخالف والمرتكب وسارق المال
العام محط اعجاب وقدوة . ثمة تأصيل لهذه الظاهرة في تاريخ لبنان وادبه . فعندما
ضربت المجاعة والبؤس سكان لبنان في حمأة الحرب العالمية الاولى بات تهريب القمح ،
كما يتبدى الامر في روايــــة " الرغيف " لتوفيق عواد ، عملا اخلاقياً
والمهرب بطلاً وطنياً.
رابع الاسباب اعتبار الوجاهة
في المرتبة الاولى من سلم القيم السائدة . انها مطلب اعلى ، تهون امامه كل القيم
الاخرى وتطوى المحرمات . وبما ان الفساد -
في عرف طالبي الوجاهة – اقصر الطرق الىالمال ، والمال قادر قدير على كل شيء
، فالنتجية والحال هذه معروفة ...
خامس الاسباب ضحالة في الوعي
وقصور في استخلاص العبر من التجارب والاخطاء . والاخطاء تتكرر لاننا لا نتعلم منها
، فتستمر الحلقة المفرغة اوالدور الفاسد ...
× × ×
هل توقف المسكوت عنه من اسس الدولة في العام 1975 ؟ انه ما زال
قائماً ومتفاقماً الى وقتنا الحاضر. واذا كان ثمة من يظن ان مرحلة جديدة في
-17 –
تاريخ
النظام السياسي اللبناني بزغت مع اقرار اتفاق الوفاق الوطني في الطائف العام 1989
، وان المسكوت عنه من اسس الكيان والدولة والسلطة قد توقف ، فهم مخطئون.
مخطئون لأن مصادر الانحراف
والفساد ما زالت ناشطة وبأقصى طاقتها . فقد اتسعت البحار والانهار، وكثرت الاسماك
والزعانف ، والشاطر بشطارته ، والرزق على الله...