22/10/2001

 

لا لاميركا في حربها وارهابها

عصام نعمان

 

       لاميركا ، في مسألة الارهاب والحرب ، منطق متفرد.

 

       الارهاب ، في عرفها وممارستها ، عنفٌ غيرُ مشروع من الآخرين الاشرار على مواطنيها الابرار . والحربُ ، من جهتها ، عنفٌ مشروع من قواتها النظامية على الآخرين ، الاشرارُ منهم وغير الاشرار.

 

       وفي كلا الحالين، تصرّ اميركا على انها المثال والمقياس .

 

       اميركا لا يهمها من انواع الارهاب الاّ ذلك الذي يضيرها . هي لا يهمها ، مثلا ، توصيف ما يقع في ايرلندا بين الغالبية البروتستانتية والاقلية الكاثوليكية ، او توصيف ما يقع في سيريلانكـا بين اقلية التاميل والحكومة من عنف وقتل ودمار .

 

       اميركا لا يهمها من انواع الحرب الاّ ما يؤمّن سياستها ومصالحها . هي تهتم ، مثلا ، لاسباب سياسية وجغراسية ، بتوصيف ما كان يقع في يوغوسلافيا السابقة من جور السلطة على الاقليات ، فاذا هو ارهاب الدولة الذي يستوجب تدخلا سافراً مقاوما من الامبراطورية الاميركية ومن بقية دول حلف شمالي الاطلسي.

 

       لكن اميركا لا تهتم بتوصيف ما يقع يوميا في فلسطين المحتلة من ارهاب الدولة الصهيونية على المدنيين الفلسطينيين العزّل ، فاذا بها تكتفي بدعوة الطرفين الى ضبط النفس ، بل يسمح نائب الرئيس ديك تشيني لنفسه بأن يبرر لمجرم الحرب ارييل شارون نهجَ اغتيال كوادر الانتفاضة فيصفه بانه دفاع مشروع عن النفس.

 

       اميركا اهتمت بدعم حركة طالبان واسامه بن لادن " وقاعدته " ايام كانوا يقاتلون لاخراج القوات السوفياتية من افغانستان ، فاذا بها حريصة على توصيف فعلهم بانه جهاد مبرور . لكن اميركا اشتبهت بان لبن لادن يداً في ما لحق بهيبتها من ذل وبمواطنيها الابرياء من ظلم في 11 ايلول فاذا بها تنكر على بن لادن جهاده المبرور وتأخذ على طالبان ايواءها له بالاستناد الى تلك الشبهة الركيكة ، فتنقضّ على افغانستان ، بشرا وحجرا ، تدمرها بالقنابل والصواريخ في حرب غير متكافئة ، هي مرحلة اولى في حرب طويلة متطاولة لاعادة صياغة موازين القوى في منطقة آسيا الوسطى الحبلى بثروات النفط الهائلة.

 

بات واضحا من تصريحات بعض المسؤولين الاميركيين ، قبل بدء العمليات العسكرية ضد افغانستان وبعدها ، ومن حشود اساطيل البحر والجو ومشاة البحرية والقوات الخاصة ، ان مخططات الولايات المتحدة في حربها على الارهاب تتجاوز اسامة بن لادن وحركة طلبان . فقد اخطرت مجلس الامن الدولي بانها " قد تتناول بعملياتها العسكرية منظمات ارهابية ودولا اخرى ايضاً." كما ان اتساع دائرة النقاش بين المسؤولين والخبراء الاستراتيجيين في مراكز الابحاث وكتاب الاعمدة في الصحف الاميركية الرئيسة عزز الانطباع العام بان واشنطن في طريقها الى توسيع دائرة الاشتباك بدءا بالعراق ، وصولا ربما الى سوريا وايران .

 

       الحقيقة ان الولايات المتحدة ما كانت لتلوّح بالخيار العسكري الشامل لولا ضعف ردود الفعل العربية والاسلامية حيال ما تفعله بافغانستان . ثم ان حجم حشودها العسكرية وتزايد تهديداتها السياسية يحمل على الاعتقاد بان ضرب العراق سيبقى خياراً اميركيا قائما لاغراض متعددة في المستقبل المنظور.

 

 

          لماذا كل هذا التصميم على ضرب العراق ؟

 

 ثمة أسباب كثيرة بينها ثلاثة رئيسة :

 

       السبب الاول  ان المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة ليست في صدد الاقرار بالاسباب والدوافع الكامنة وراء ظاهرة الكراهية الجماعية لامريكا في العالم واندلاع حركات المقاومة لسياساتها الظالمة في غير مكان . لو هي اقرت بها لوجب عليها اعادة النظر بسياساتها المعادية لحقوق الشعوب ومصالحها ، بل لوجب عليها انتهاج سياسة مغايرة تماما للسياسة الراهنة . والحال ان المؤسسة الحاكمة ليست في وارد هذا كله ، بل هي على العكس تريد تجاهل اسباب الازمات والكوارث التي ترتع فيها بالتركيز على معالجة نتائجها الحالية والقريبة . وفي هذه المجال ، تستبين حاجتها الى اختلاق ذرائع ومسوّغات تبرر القاء اللوم والمسؤولية على قادة ودول " صالحين "  ليكونوا اكباش فداء ، وفي طليعتهم العراق .

 

       السبب الثاني ان العراق ربما يحتضن اكبر احتياط نفطي في العالم . والنفط ليس مصدر طاقة ومادة استراتيجية فحسب بل هو ايضا مصدر لعائدات مالية هائلة . وبما ان المال هو عصب السياسة والاقتصاد والاقتدار ، فان مصلحة الامبراطورية الامريكية تكمن في الاّ تُترك كل هذه القدرات في يد دولة واحدة قد تحسن تثميرها واستثمارها واستخدامها في المستقبل القريب او البعيد على نحوٍ يهدد مصالـــح امريكا و   اسرائيل .

 

       السبب الثالث ان اركان المؤسسة الحاكمة في كلٍ مـن الولايات  المتحـدة و " اسرائيل "  يعلمون انه لا تمكن معالجة ثورة الشعب الفلسطيني المتعاظمة الاّ باقامة  دولة مستقلـة عاصمتها القدس . غير ان اقامة هذه الدولة يهدد مستقبل  اسرائيل  من ناحيتين : الاولى امكانيـة اتحاد ضفتي نهر الاردن في كيان سياسي واحد يصبح اكثر اقتداراً ، والثانية  امكانية توصل دولة فلسطين الاتحادية علىالضفتين الى صيغة سياسية ودفاعية متقدمة مع العراق وسوريا قد تؤدي الى انتشار جيشهما على طول نهر الاردن  الامر الذي يشكل تهديدا جدياً لدولة  اسرائيل  . من هنا ينبع مخطط اميركي خطير مفاده ان لا سبيل الى " التسامح " باقامة دولة فلسطينية الاّ من خلال صفقــة استراتيجية متكاملة تنطوي على ضمانات واقعيـــة راسخــة لامن  اسرائيل ، محورها تحجيم قوة العراق بتقسيمه الى ثلاث دويلات ، وترحيل فلسطينيي العام 1948 من داخل اسرائيل الى  دولة فلسطين المقبلة ليقيموا في المستوطنات التي يصار الى اخلائها من اليهود الصهاينة ، واقامة تحالف دفاعي بين  اسرائيل  ودولــة فلسطين علــى ضفتي الاردن و " الدويلات العراقية الثلاث " لتشكيل قوة استراتيجية نووية موازية ولاجمة لقوة ايران المتنامية والمرشحة لامتلاك قدرات نووية متطورة .

 

       هذه الاسباب والعوامل الاستراتيجية الخطيرة يجب الاّ تغيب عن ذهن القيادة السياسية في كلٍ من مصر والسعودية وسوريـا وايران . ذلك ان كلا منها ستتضرر بالتأكيد ، عاجلا او آجلا ، من نهج تقسيم العراق ، لا سمح الله . فالتقسيم  عندما يتحول سلاحا سياسيا ، يصبح نهجا وعدوى في آن . واسرائيل ، عندما تتحول قوةً مركزية كبرى في منطقة المشرق العربي ، تهدد بشكل خطير مصالح مصر والسعودية ، وتُضعف سوريا وتهّمش لبنان ، وقد تتسبب في تقسيمهما الى جمهوريات موز طائفية هزيلة وهزلية.

 

      

       ان مواجهة سياسة امريكا الهجومية لا تكون بمجاملتها والرضوخ لطلباتها والاندراج في مخططاتها بل بتحقيق اقصى درجات التضامن العربي ، ورسم خطوط حمر لها على مرأى من الشعوب ومسمعها . وليس افضل للرد على الابتزاز والتهديـد من ممارسة ضغط وتهديد مماثلين كأن تعلن الدول العربية جميعا ، لا سيما مصر والسعودية وسوريا ، رفضها القاطع لقيام امريكا بضرب اي دولة عربية تحت طائلة ليس الوقوف الى جانب الدولة المعتدى عليها ودعمها بكل الوسائل المتاحة فحسب بل بكسر القيود ايضا التي طالما منعت مشاركة الشعوب العربية والاسلامية في حروب الجهاد  ضد الاستعمار الامريكي الجديد.

 

       أجل ، ان سياسة القمع التي يمارسها معظم الحكومات العربية وقبضاتها الحديدية المشرعة في وجه الاحرار والمجاهدين هي التي ضمنت ، لغاية الوقت الحاضر ، لجم الشعوب عن المشاركة الفعلية في حروب الجهاد . لذا فان اصرار الولايات المتحدة على تحميل العرب والمسلمين مسؤولية ما جنته امريكا على نفسها بسبب سياساتها الظالمة وانحيازها الاعمى للكيان الصهيوني يستوجب بالمقابل رداً جديا ومؤثرا ليس اقله اطلاق يد الشعوب في الانتصار لكرامتها والدفاع عن حريتها وحقوقها ومصالحها والتصدي بكل الوسائل المتاحة لاعدائها التاريخيين.

 

       موقف جاد وجدي كهذا كفيل بردع الولايات المتحدة عن التفكير بممارسة سياسة الاستهانة بالعرب والمسلمين واستباحة حقوقهم ومصالحهم والامعان في تسليط  اسرائيل عليهم  للتحكم بقضايا حاضرهم ومستقبلهم .

 

       لا لاميركا في حربها وارهابها.

 

       نعم للمقاومة الشعبية باسم الحق والحرية والعدالة والديمقراطية.

 

       المقاومة  التي وحدها تجدي ، وتغني عن الحرب والارهاب .